فاتورة السباق على الرقائق
تشهد سوق رقائق الذاكرة العالمية تحولاً غير مسبوق، تقوده ثورة الذكاء الاصطناعي وتتشكّل ملامحه يومًا بعد يوم، إذ بات الطلب المتنامي من مراكز البيانات والشركات التكنولوجية يستنزف طاقة الإنتاج العالمية، موجهًا إياها نحو الرقائق ذات الهامش الربحي المرتفع على حساب الأجهزة الاستهلاكية والسيارات.
وفيما تتسابق الشركات المصنعة لتوسيع طاقتها الإنتاجية، يرى المحللون أن انفراج الأزمة لن يكون في المتناول قبل عام 2028 على أقل تقدير.

أولويات الإنتاج
نظرًا لأن الشركات المطورة لأنظمة الذكاء الاصطناعي مستعدة لدفع أسعار أعلى وتوقيع اتفاقيات توريد طويلة الأجل لتأمين إمداداتها من الرقائق، يوجه مصنعو رقائق الذاكرة رؤوس أموالهم وقدراتهم الإنتاجية الجديدة نحو إنتاج رقائق "إتش بي إم" ذات هامش الربح الأعلى، وبالتالي ترجمت أزمة الإمداد مباشرة إلى أسعار مرتفعة يتحمّلها المستهلك النهائي
الفاتورة النهائية
كشفت "إتش بي"، إحدى أكبر ثلاث شركات تصنيع الحواسب في العالم، أن تكلفة رقائق الذاكرة قفزت لتمثل 35% من تكلفة مواد تصنيع الحاسوب المحمول، بعد أن كانت لا تتجاوز 15-18% سابقًا، وفي المقابل، ترجّح "كاونتر بوينت ريسيرش" ارتفاع تكلفة مواد تصنيع الهواتف الذكية بنسبة 15% أو أكثر في الأرباع القادمة.
تغيير المواصفات
لم تكتف الشركات بنقل عبء التكاليف إلى المستهلك عبر رفع الأسعار، بل لجأت أيضًا إلى تخفيض مواصفات منتجاتها، واتجهت نحو طرازات بسعة ذاكرة أقل توفيرًا للتكاليف، وهو ما ينعكس سلبًا على أداء الأجهزة وعمرها الافتراضي، مما يجعل المستهلك في نهاية المطاف الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
قفزة الأسهم
ومع ارتفاع الأسعار زادت أسهم الشركات المصنعة للرقائق بقوة في العام الماضي، وتواصل الأسهم مكاسبها خلال العام الحالي حتى الآن، إذ قفز سهم "سامسونج" بأكثر من 88%، وسهم "إس كيه هاينكس" – الموردة الرئيسية لـ "إنفيديا" – 98.6%، وهو ما رفع القيمة السوقية لسوق الأسهم الكورية الجنوبية ككل.
|
مكاسب أسهم بعض من أكبر الشركات المصنعة للرقائق في العالم خلال 2025 |
|
|
الشركة |
نسبة ارتفاع السهم |
|
نانيا تكنولوجي - NANYA |
%560 |
|
سانديسك |
%559 |
|
كيوكسيا - KIOXIA |
%536 |
|
إس كيه هاينكس |
%293 |
|
ميكرون |
%228 |
|
سامسونج إلكترونكس |
%125 |
الهيمنة السوقية
أسهم ذلك في إعادة تشكيل موازين القوى وتعزيز مراكز الشركات الكبرى من حيث القيمة السوقية، لتتصدر "سامسونج إلكترونكس" قائمة أكبر المصنعين لرقائق الذاكرة - "درام -DRAM" و"ناند -”NAND فقط - بفارق كبير عن منافسيها، متخطيةً حاجز التريليون دولار، فيما تتنافس "إس كيه هاينكس" و"ميكرون" على المرتبتين التاليتين.
|
أكبر شركات صناعة الرقائق في العالم من حيث القيمة السوقية (تشمل منتجي رقائق “درام”، و" ناند" فقط) |
|||
|
الترتيب |
الشركة |
الدولة |
القيمة السوقية |
|
01 |
سامسونج إلكترونكس |
كوريا الجنوبية |
1007 |
|
02 |
إس كيه هاينكس |
كوريا الجنوبية |
622.14 |
|
03 |
ميكرون تكنولوجي |
الولايات المتحدة |
568.70 |
|
04 |
سانديسك |
الولايات المتحدة |
147.94 |
|
05 |
كيوكسيا - KIOXIA |
اليابان |
123.87 |
|
06 |
نانيا تكنولوجي - NANYA |
تايوان |
23.05 |
قوة تسعيرية
ترى أكبر ثلاث شركات مصنعة للرقائق أن هذه الأزمة ليست مؤقتة، بل قد تمتد لسنوات عديدة، مع صعوبة تلبية المعروض للطلب، ما يمنحها قوة تسعيرية استثنائية، وقد ترجم ذلك في ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة بنسبة 50% خلال الربع الأخير من عام 2025 وحده، مع توقعات بمواصلة الصعود خلال العام الجاري.

تبعات أوسع نطاقًا
لا تقتصر تبعات أزمة الرقائق على رفع أسعار الجوالات والحواسب، بل تمتد لتطول قطاعات حيوية أخرى، إذ تُلوح في الأفق مخاوف جدية من تأخر إنشاء مراكز البيانات وتعثر سلاسل إمداد صناعة السيارات جراء احتمالية نقص رقائق المعالجات، مما يُهدد بتأخير دورات إنتاج المركبات.
سباق محتدم
في مواجهة الطلب المتنامي، أعلن كل من "سامسونج" و"إس كيه هاينكس" عن خطط طموحة لزيادة إنفاقها الرأسمالي بصورة ملحوظة خلال العام الجاري، ساعيتين إلى توسيع طاقتهما الإنتاجية تفاديًا للتخلف عن ركب الذكاء الاصطناعي. غير أن الواقع التقني يفرض قيوداً صارمة، إذ إن أي زيادة إنتاجية لن تُترجَم إلى انفراج فعلي في الأسواق إلا بعد عام أو أكثر في أحسن الأحوال.
إن ما يشهده قطاع الرقائق ليس مجرد أزمة، بل إنه وضع غير مسبوق يجني فيه المصنعون مكاسب، بينما يظل المستهلك النهائي والصناعات التقليدية كالسيارات أمام تحديات مستمرة تتمثل في ارتفاع التكاليف وندرة المعروض، ليبقى التوازن بين الابتكار في الذكاء الاصطناعي واستقرار سلاسل الإمداد هو الرهان الأكبر خلال السنوات القليلة القادمة.
المصادر: أرقام – فيجوال كابيتاليست – فاينانشال تايمز – بلومبرج - شركة الأبحاث "آي دي سي" – "كاونتر بوينت ريسيرش" – كوين ماركت كاب - سي إن بي سي
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}