المادة التي أربكت العالم
لم يكن أحد يتخيل أن مادة كيميائية صناعية، إلى جانب قرارين حاسمين، أحدهما يتعلق بمضيق مائي حيوي والآخر بقرار تصدير من دولة كبرى، قد تكون كفيلة بزعزعة استقرار سلاسل التوريد العالمية من الأسمدة والمعادن، إلى الطاقة النظيفة وأسعار الغذاء في الأسواق.
لكن هذا هو الواقع الذي نعيشه اليوم، حيث يواجه العالم أزمة غير مسبوقة في حمض الكبريتيك، المادة التي تُعد المحرك الخفي للعديد من الصناعات الأساسية.

مادة لا يمكن الاستغناء عنها
حمض الكبريتيك من أكثر المواد الكيميائية الصناعية استخدامًا في العالم، لكنه شديد التآكل وعالي الاشتعال، يدخل في صناعة الأسمدة والبطاريات والملابس والجلود، في تكرير البترول ومعالجة مياه الشرب، وحتى في تعدين اليورانيوم والنحاس والنيكل.
لكن هناك مشكلة أساسية وهي أنه لا يمكن تخزينه بسهولة، الأمريتطلب خزانات خاصة وعناية فائقة، لذلك لا تحتفظ به الشركات من القطاعات المختلفة بأكثر مما يكفي لأسابيع، أو لبضعة أشهر في أحسن الأحوال.
لذلك خلال أسابيع قليلة، تحول إلى مصدر قلق عالمي، بعدما تلقى ضربتين متتاليتين: اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز التي عطّلت تدفق الكبريت - العنصر الأساسي لإنتاج حمض الكبريتيك - ثم قرار الصين وقف تصدير الحمض لحماية احتياجاتها المحلية.
المحرك الخفي..الكبريت
القصة تبدأ من الكبريت، لأن نحو 80% من إنتاجه العالمي يتحول مباشرة إلى هذا الحمض، والكبريت بدوره منتجٌ ثانوي لتكرير النفط والغاز.
حين اندلع الصراع، وتعطّلت الشحنات عبر مضيق هرمز، توقّفت معها نصف إمدادات الكبريت العالمية المنقولة بحرًا من الشرق الأوسط لذلك تضررت الإمدادات بصورة كبيرة، لكنالضربة الثانية كانت أشد وطأة.
المصدر الأكبر يغلق أبوابه
الصين هي أكبر مُصدِر لحمض الكبريتيك في العالم، إذ صدرت العام الماضي ما يقارب خمسة ملايين طن، للمرة الأولى في تاريخها، لكنها في الوقت ذاته تعتمد على الكبريت المستورد من الشرق الأوسط لإنتاجه.
حين تراجعت الإمدادات بسبب الحرب، اختارت بكين حماية نفسها أولًا وقررت حظر تصدير حمض الكبريتيك اعتبارًا من الأول من مايو.
هذه الخطوة الدفاعية وضعت العديد من الشركات حول العالم في مأزق، لأن بقية الدول لا يمكنها سد الفراغ الذي تتركه الصين، وهو ما قد يجعل صناع السياسات أمام خيارات حاسمة، ربما يفضلون إعطاء الأولوية للأمن الغذائي وتوفير الكبريت للأسمدة على حساب إنتاج المعادن.
قد يلجأ للبحث عن بديل للإمدادات الصينية من دول مثل كندا، لكن على كل حال سيكون استبدال الصادرات الصينية على نطاق واسع أمرًا صعبًا على المدى القصير على الأقل لأسباب تشمل قيود النقل ومحدودية الطاقة الإنتاجية الاحتياطية، والطلب العالمي القوي سواء من صناعة الأسمدة أو البطاريات.

قفزة سعرية
استجابة لصدمة المعروض، قفز السعر الفوري الأسبوعي لحمض الكبريتيك بما يناهز 58% في الثامن من أبريل مقارنة مع الخامس والعشرين من فبراير أي قبل اندلاع الحرب، ليصل إلى 300 دولار للطن المتري.
لإدراك حجم التأثير، تشير تقديرات "إتش إس بي سي" إلى أن كل زيادة قدرها 100 دولار في سعر الكبريت ترفع تكاليف تشغيل إنتاج النحاس بنحو 4%، وقد لا يبدو الرقم كبيرًا للوهلة الأولى، لكنه يكفي ليجعل المنتجين يُفكّرون في تخفيض الطاقة الإنتاجية، أو تأجيل الصيانة، أو كليهما.
وفي عالم يراهن على التحول إلى الطاقة النظيفة، تبدو المشكلة أكثر حساسية، فالارتفاع المستمر في أسعار النحاس والنيكل قد ينعكس مباشرة على تكاليف البطاريات والبنية التحتية للطاقة المتجددة، ما يهدد بإبطاء بعض خطط التحول نحو الطاقة النظيفة والنووية.

سلسلة تداعيات
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تأثر إنتاج بعض رواسب النيكل والكوبالت بسبب ارتفاع أسعار الكبريت وحمض الكبريتيك، بينما يرى محللون أن دولًا مثل تشيلي وإندونيسيا ستكون من بين الأكثر تعرضًا للخطر إذا استمرت القيود الصينية لأشهر إضافية.
تشيلي، أكبر منتج للنحاس في العالم، تمتلك حاليًا مخزونات كافية، لكن المخاوف تتزايد بشأن النصف الثاني من العام، خاصة مع اعتمادها الكبير على الواردات، لذلك بدأت شركات التعدين هناك بالفعل في تنويع مصادر الشراء، بما في ذلك الاستيراد من اليابان.
أما إندونيسيا، التي تحولت إلى لاعب رئيسي في سلاسل توريد النيكل الخاصة بالبطاريات والسيارات الكهربائية، فتبدو أكثر هشاشة، خصوصًا مع ارتباط صناعتها بشركات عالمية كبرى مثل الصينية "كاتل".
وفي حال استمرت أزمة الإمدادات، فإن شركات البطاريات قد تواجه ارتفاعًا في التكاليف، وتأخيرات في الإنتاج، ومنافسة أشد على المواد الخام، بينما قد تمتد التداعيات إلى أسعار الغذاء عالميًا نتيجة ارتفاع تكاليف الأسمدة.
حتى الولايات المتحدة، التي تبدو أقل تعرضًا للأزمة بسبب اعتمادها جزئيًا على إمدادات من المكسيك وكندا، لن تكون بمنأى عن التأثيرات، لأن اقتصادها يعتمد بصورة هائلة على النحاس، سواء في مراكز البيانات أو شبكات الكهرباء أو السيارات أو البنية التحتية، ما يعني أن أي ارتفاع عالمي إضافي في الأسعار سيصل أثره عاجلًا أم آجلًا.
والأمر الأكثر إثارة للقلق أن الأزمة قد لا تنتهي سريعًا، فحتى إذا عاد مضيق هرمز للعمل بصورة طبيعية، تتوقع "مينا تشوهان"، المسؤولة لدى "أرجوس للاستشارات"، أن تُمنح الأولوية لشحنات النفط والغاز على حساب الكبريت، ما قد يطيل أمد النقص العالمي لسنوات.
هكذا، تحول حمض الكبريتيك، المادة التي ظلت لسنوات بعيدة عن الأضواء، إلى مثال جديد على هشاشة سلاسل التوريد العالمية شأنه شأن الهيليوم واليوريا، وكيف يمكن أن تمتد آثار الحرب من حقول الأسمدة إلى مصانع البطاريات وأسواق الغذاء والطاقة حول العالم.
المصادر: أرقام – إس أن بي جلوبال – وول ستريت جورنال – ساوث تشاينا مورنينج بوست – بارونز
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}