الأرز .. غذاء العالم وعدو المناخ
في كل طبق أرز يتناوله البشر يوميًا، تختبئ قصة مناخية معقدة لا يراها أحد.
الحبوب البيضاء التي تُطعم أكثر من نصف سكان العالم تحولت بهدوء إلى أحد أكبر مصادر الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
وبينما يُنظر إلى الأرز باعتباره رمزًا للأمن الغذائي والاستقرار في آسيا وإفريقيا، تكشف الدراسات الحديثة أن حقول الأرز المغمورة بالمياه أصبحت أيضًا مصانع طبيعية لإنتاج الغازات الدفيئة، في مفارقة تضع العالم أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف نطعم مليارات البشر دون أن نزيد سخونة الكوكب؟

تضاعف الانبعاثات
كشفت دراسة حديثة أجراها فريق من علماء البيئة والزراعة أن الانبعاثات الناتجة عن زراعة الأرز تضاعفت تقريبًا عالميًا منذ ستينيات القرن الماضي، لتصل خلال العقد الماضي إلى نحو 1.1 مليار طن سنويًا من الانبعاثات المكافئة لثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لنحو 239 مليون سيارة.
وبحسب الدراسة، أصبحت زراعة الأرز أكبر مصدر للانبعاثات في القطاع الزراعي بعد تربية الماشية، في وقت يتوقع فيه أن يستمر الطلب العالمي على الأرز في الارتفاع مع تزايد عدد السكان وتحسن مستويات المعيشة في كثير من الدول النامية.
تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة زراعة الأرز نفسها. فحقول الأرز تُغمر بالمياه لفترات طويلة، ما يخلق بيئة منخفضة الأكسجين تسمح لكائنات دقيقة بالنشاط وإنتاج غاز الميثان، أحد أخطر الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
ويتميز الميثان بقدرته الكبيرة على حبس الحرارة مقارنة بثاني أكسيد الكربون، ما يجعل تأثيره المناخي بالغ الخطورة رغم بقائه لفترات أقصر في الغلاف الجوي.
عاملان رئيسيان
ويرجع ارتفاع الانبعاثات إلى عاملين رئيسيين: التوسع الكبير في مساحات زراعة الأرز، والتكثيف الزراعي الذي يعتمد على استخدام مزيد من الأسمدة والمخلفات العضوية.
في إفريقيا مثلًا تضاعفت تقريبًا مساحة الأراضي المزروعة بالأرز منذ ستينيات القرن الماضي، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في انبعاثات الميثان.
وفي الوقت ذاته، اتجه المزارعون في كثير من الدول إلى استخدام أصناف أرز أكثر إنتاجية، وزراعة النباتات بكثافة أعلى، إلى جانب الاعتماد المكثف على الأسمدة الكيماوية والمخلفات الزراعية مثل القش والسماد العضوي لتحسين خصوبة التربة وزيادة المحاصيل.
هذه الممارسات نجحت بالفعل في رفع إنتاج الغذاء، لكنها ساهمت أيضًا في زيادة الانبعاثات المناخية بصورة ملحوظة.
بقايا المحصول
ومن بين أكثر العوامل تأثيرًا، برزت طريقة التعامل مع بقايا المحصول بعد الحصاد. ففي العديد من المناطق، يُترك قش الأرز داخل الحقول ثم يُحرث في التربة لتحسين خصوبتها.
غير أن هذه العملية تزيد كمية المواد العضوية المتحللة داخل التربة المغمورة بالمياه، ما يمنح الكائنات الدقيقة وقودًا إضافيًا لإنتاج المزيد من غاز الميثان.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الممارسة وحدها كانت مسؤولة عن نحو 18% من الزيادة الإجمالية في الانبعاثات الصافية المرتبطة بزراعة الأرز منذ ستينيات القرن الماضي.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة عالميًا يزيد من تعقيد المشكلة، إذ يؤدي المناخ الأكثر دفئًا إلى تسريع النشاط الميكروبي داخل التربة، وبالتالي إنتاج كميات أكبر من الغازات الدفيئة.

الأسمدة النيتروجينية
بدورها، تمثل الأسمدة النيتروجينية مصدرًا مهمًا آخر للانبعاثات. فمنذ عام 2000 ارتفع استخدام النيتروجين الصناعي بنحو 76%، ما أدى إلى زيادة انبعاثات أكسيد النيتروز، وهو غاز دفيء شديد التأثير يفوق ثاني أكسيد الكربون في قدرته على حبس الحرارة بمئات المرات.
وتوضح الدراسة أن أكسيد النيتروز أسهم بنحو 9% من الزيادة في إجمالي الانبعاثات الصافية الناتجة عن النشاط البشري عالميًا.
أما أنظمة الري، فلها تأثير مباشر أيضًا على حجم الانبعاثات. ففي الماضي، كانت حقول الأرز تُغمر بالمياه باستمرار طوال موسم الزراعة، وهو ما يوفر بيئة مثالية لإنتاج الميثان. لكن خلال العقدين الماضيين بدأ عدد متزايد من المزارعين يعتمد على أسلوب “الري المتقطع”، حيث تُجفف الحقول لفترات محددة قبل إعادة غمرها بالمياه.
انبعاثات الميثان
هذه التقنية ساعدت على تقليل انبعاثات الميثان مقارنة بالغمر المستمر، لكنها في المقابل أدت إلى زيادة طفيفة في انبعاثات أكسيد النيتروز نتيجة التبدل المستمر بين الجفاف والرطوبة داخل التربة.
ولفهم التأثير المناخي الكامل لزراعة الأرز، اعتمد الباحثون على ثلاثة أساليب علمية متكاملة. استخدموا نموذجًا حاسوبيًا لمحاكاة نمو المحاصيل وحركة المياه والعمليات الحيوية داخل التربة، كما استعانوا بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين التقديرات في المناطق التي تفتقر إلى القياسات المباشرة، إضافة إلى تحليل أكثر من 1200 تجربة ميدانية حول العالم لدراسة تأثير ممارسات الري والأسمدة وإدارة المخلفات الزراعية على الانبعاثات.
هذا الدمج بين النماذج المناخية والذكاء الاصطناعي والبيانات الميدانية مكّن العلماء من تتبع تطور انبعاثات الأرز عالميًا بين عامي 1961 و2020، وتحديد الأسباب الرئيسية وراء ارتفاعها، واختبار فعالية الحلول الممكنة مستقبلًا.
وسائل عملية
ورغم الصورة القاتمة، تؤكد الدراسة أن هناك بالفعل وسائل عملية لخفض الانبعاثات دون التضحية بالإنتاج الزراعي.
خفض الاستخدام المفرط للأسمدة، وتقليل كميات المخلفات العضوية المضافة إلى التربة، وتحسين أنظمة الري عبر إدخال فترات تجفيف، وتقليل الحرث، يمكن أن تخفض مجتمعة الانبعاثات العالمية من زراعة الأرز بنحو 10% بحلول منتصف القرن.
لكن الباحثين فوجئوا بأن استبدال الأسمدة الكيميائية بخيارات عضوية ليس دائمًا حلًا أفضل مناخيًا، رغم شعبيته في أنظمة الزراعة العضوية. فالإفراط في استخدام القش أو السماد العضوي قد يؤدي إلى زيادة إنتاج الميثان وتسريع فقدان الكربون من التربة.
يتمثل أحد الحلول الواعدة في تحويل جزء من بقايا المحاصيل إلى “فحم حيوي” أو “بيوشار”، عبر حرقها في ظروف منخفضة الأكسجين قبل خلطها بالتربة المغمورة بالمياه. ويساعد هذا الفحم الحيوي على تثبيت الكربون داخل التربة وتقليل انبعاثات الميثان في الوقت نفسه.

تحسين إدارة المياه
كما تشير الدراسة إلى أن تحسين إدارة المياه يمكن أن يكون من أكثر الأدوات فعالية، خاصة في المناطق التي تمتلك بنية تحتية جيدة للري مثل أجزاء واسعة من آسيا.
أما إدارة استخدام الأسمدة فتُعد حلًا مهمًا خصوصًا في الأنظمة الزراعية عالية الاستهلاك للنيتروجين مثل الصين وجنوب آسيا، إذ إن الإفراط في التسميد لا يزيد الإنتاج بالضرورة، لكنه يرفع الانبعاثات ويزيد تلوث المياه ويحمّل المزارعين تكاليف إضافية.
في المقابل، تختلف فعالية تقليل الحرث من منطقة إلى أخرى. ففي المناطق المعتدلة مثل أجزاء من الولايات المتحدة والصين، تساعد درجات الحرارة المنخفضة نسبيًا على الحد من إنتاج الميثان، ما يسمح بالاستفادة من مزايا الحفاظ على الكربون داخل التربة.
أما في المناطق الحارة ذات الغمر المستمر، فقد يؤدي تقليل الحرث إلى نتائج عكسية عبر زيادة النشاط الميكروبي وإنتاج الميثان.
الحلول المناخية
وتخلص الدراسة إلى أن الحلول المناخية في زراعة الأرز لا يمكن تعميمها عالميًا، إذ تحتاج كل منطقة إلى مزيج خاص من الإجراءات يتناسب مع ظروفها المناخية والزراعية.
ورغم أن الإجراءات الحالية قادرة على تحقيق خفض ملموس للانبعاثات، فإن العلماء يحذرون من أن التأثير الإجمالي ما زال محدودًا مقارنة بحجم التحدي المناخي العالمي.
ومن ثم، فإن خفض الانبعاثات بصورة أكبر سيتطلب تطوير تقنيات جديدة وتقديم إرشادات أكثر دقة للمزارعين حول أفضل طرق استخدام المخلفات الزراعية والأسمدة وإدارة المياه، بما يضمن الحفاظ على إنتاج الغذاء دون دفع الكوكب نحو مزيد من الاحترار.
في النهاية، تبدو معركة الأرز مع المناخ واحدة من أكثر معارك القرن تعقيدًا: محصول لا يمكن للعالم الاستغناء عنه، لكنه في الوقت نفسه يحمل تكلفة بيئية متصاعدة. وبين الحاجة إلى إطعام مليارات البشر وضرورة حماية المناخ، سيصبح مستقبل الأرز اختبارًا حقيقيًا لقدرة البشرية على تحقيق التوازن بين الأمن الغذائي والاستدامة البيئية.
المصدر: "ذا كونفيرزيشن"
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}