هندسة الخداع المالي .. حين أُخفيت الحقيقة حتى عن أعين المحللين
يثبت التاريخ أن الشركات الكبرى لا تنهار فجأة كما تسقط الأشجار تحت ضربة فأس واحدة، بل غالبًا ما يبدأ السقوط بشقوق صغيرة لا يراها أحد، وهذا تمامًا ما حدث مع "كاريليون" التي بدت لسنوات طويلة قصة نجاح مكتملة الأركان.
كانت ثاني أكبر شركة إنشاءات في المملكة المتحدة، تدير مئات المشاريع من المستشفيات إلى الطرق السريعة والسكك الحديدية، وتوظف نحو 43 ألف شخص حول العالم، لكن خلف هذه الصورة اللامعة كانت هناك قصة أخرى لا تظهر في العناوين الرئيسية.

كيف أخفت الحقيقة؟
بدأت الحكاية منذ انفصالها عن شركة "تارماك" عام 1999، حينها انطلقت "كاريليون" في موجة استحواذات متتالية، وأصبحت مزودًا رائدًا للخدمات العامة، وقد عرضها ذلك لعقود أكثر خطورة بهوامش ربح ضعيفة ومتطلبات تمويل ديون ضخمة، دون أن يحميها ذلك تمامًا من تقلبات قطاع البناء.
استطاعت الشركة إخفاء وضعها المتردي عن أعين أكثر المحللين حصافة، من خلال ثلاثة أساليب رئيسية: أولاً: تضخيم الإيرادات الافتراضية، حيث دأبت على احتساب مبالغ نقدية متوقعة وغير مؤكدة، لم يوافق عليها العملاء أصلاً، وتسجيلها في الدفاتر كأرباح محققة.
فإذا ما ارتفعت التكاليف أو تأخرت المشاريع كما حدث بالفعل تحولت تلك "الأرباح الورقية" إلى خسائر واقعية، ثانياً: استخدام الشركات ذات الأغراض الخاصة لإدارة مشاريعها المشتركة.
ثالثاً: استغلال "برنامج تمويل سلسلة التوريد" الذي أطلقته الحكومة عام 2012، في ظاهره، كان البرنامج وسيلة لمساعدة الموردين على نيل مستحقاتهم مبكراً من البنوك مقابل رسوم، لكن "كاريليون" حولته إلى أداة اقتراض خفية، فبينما كانت تتأخر في سداد فواتير مورديها، كانت البنوك تدفع لهم، وتتحول الديون لصالح البنوك.
الصدمة الكبرى للمستثمرين أن هذه الديون المتراكمة لم تظهر في الميزانية، ولهذا السبب، ارتفع صافي دين "كاريليون" المعلن من 839 مليونًا إلى 850 مليون إسترليني في الفترة من 2011 إلى 2016،، بينما كان الدين الفعلي أكبر بكثير.

ضحية الخداع
ظاهريًا، بدت الشركة في وضع جيد في قطاع البناء الذي كان يكافح للتعافي من الأزمة المالية، لكن التدقيق في أكثر من مئة صفحة من تقاريرها السنوية يكشف أن الأمور لم تكن على ما يرام منذ عام 2011.
في ظل هذا التلاعب، كان ثلثا محللي البنوك الاستثمارية في عام 2015 يوصون عملاءهم بشراء سهم "كاريليون"، بينما سلكت شركة "أبردين ستاندرد إنفستمنتس" نهجًا مخالفًا وقررت التخلص من حصتها البالغة 12% بسبب شكوكها حول تزايد الديون وحجم السيولة التي كانت تُنفقها دون تحقيق أي زيادة في الربحية.
في المقابل، كانت شركة إدارة الأصول الاسكتلندية "كيلتيرن بارتنرز" تبتلع الطُعم كاملاً اعتمادًا على السجلات المحاسبية، ففي فبراير 2017، رفعت حصتها إلى 10% لتصبح المساهم الأكبر، لكنها باتت أيضًا أكبر ضحاياها عند انكشاف الحقيقة، إذ أشار تقرير إلى أنها خسرت 70 مليون إسترليني في غضون ساعات.
حتى شركة التدقيق العالمية "كيه بي إم جي"، التي راجعت حسابات "كاريليون" من 2014 إلى 2017، فشلت في رصد مشاكلها المتفاقمة، مما كبّدها لاحقًا غرامة قياسية.

إشارات حمراء
كانت أولى علامات التحذير من وضع الشركة هي ارتفاع نسبة الأموال غير المدفوعة المستحقة على عملاء "كاريليون" في قطاع الإنشاءات من إجمالي إيراداتها من 13% عام 2009 إلى 31.6% عام 2016.
وتورطت الشركة في عدة نزاعات تعاقدية مع عملائها في القطاع العام البريطاني، إما بسبب جودة خدماتها أو مطالبتها بزيادة في التكاليف.
وفي يوليو 2017، حذرت "كاريليون" من أنها تتوقع عدم تحقيق أهداف الربح للنصف الأول من العام بعد تكبّدها خسائر في عدد من عقود الإنشاءات الكبرى، واستقال الرئيس التنفيذي "ريتشارد هاوسون"، وألغى مجلس الإدارة توزيعات الأرباح ضمن خطة لكبح جماح اقتراض الشركة.
وفي خضم محاولات إنقاذ وضعها في مطلع عام 2018، تراجعت قيمتها السوقية إلى 61 مليون إسترليني فقط، بعدما وصلت في السابق إلى ملياري إسترليني، وهبط السهم إلى 14.2 بنس فقط، بعدما كان يتداول قبل عامين بحوالي 300 بنس.
ومع تراجع أداء عقودها، ارتفعت ديونها، واحتاجت الشركة إلى ضخ سيولة نقدية، لكن البنوك التي أقرضتها رفضت تقديم المزيد من التمويل، كما رفضت الحكومة إنقاذها، ونتيجة لذلك، لم تتمكن الشركة من مواصلة أعمالها، ما أجبرها على التصفية.
كان سقوط "كاريليون" درسًا قاسيًا في كيفية قدرة الأرقام على تضليل المستثمرين عندما تتحول المحاسبة من أداة لعرض الحقيقة إلى وسيلة لإخفائها.
ففي النهاية، لم يكن أكبر إنجاز حققته "كاريليون" هو بناء المستشفيات أو الطرق، بل بناء صورة مالية أقنعت السوق لسنوات بأن كل شيء على ما يرام، بينما كانت الأساسات تتآكل بصمت.
المصادر:أرقام - موقع برلمان المملكة المتحدة – الجارديان – "جلوبال كونستراكشن ريفيو" - فاينانشال تايمز - صحيفة التايمز
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}