بيونغ يانغ .. التحول الأكثر غرابة في العالم
قبل سنوات قليلة فقط، كانت كوريا الشمالية تبدو وكأنها تسير نحو مزيد من الانكماش والعزلة، فالحدود مغلقة بفعل جائحة كورونا، نقص الطاقة يعطل مناجم الفحم، وشح الغذاء يضغط على السكان.
وفي مشهد نادر، اعترف الزعيم "كيم جونغ أون" عام 2021 بفشل السياسات الاقتصادية، متحدثًا عن أضرار طالت جميع القطاعات تقريبًا، بينما كان البلد يواجه واحدة من أصعب مراحله منذ عقود، لكن ما حدث بعد ذلك بدا للكثيرين أشبه بقصة يصعب تصديقها.

واحدة من أكثر الدول انعزالاً في العالم
في دولة لا تنشر بيانات اقتصادية رسمية وتفرض رقابة صارمة على المعلومات، بدأ زوار محدودون يعودون إلى بيونغ يانغ بعد الوباء ليجدوا مدينة مختلفة عما كانت عليه في الماضي.
ومع هذا التحول، خرج الزعيم في خطاب له هذا العام، ليتحدث بثقة عن "تحول معجزة"، مشيدًا بزيادة الاستثمارات واتساع مشاريع البناء السكني، ومؤكدًا أن بلاده لم تعد عرضة لتهديدات الآخرين رغم العقوبات الاقتصادية القاسية التي تقودها الولايات المتحدة منذ عام 2017 ردًا على البرنامج النووي الكوري الشمالي.
ورغم أن إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" سعت خلال ولايته الأولى إلى نزع السلاح النووي بالكامل، وعقد "ترامب" و"كيم" لقاءات تاريخية، فإن تلك الجهود انتهت دون اتفاق يحد من برنامج بيونغ يانغ النووي.
في الوقت نفسه، واصلت كوريا الشمالية تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين، مع تطوير أساليبها للالتفاف على العقوبات الدولية، وبينما دعا "كيم" المواطنين إلى بناء اقتصاد مكتفٍ ذاتيًا، بدأت مؤشرات غير متوقعة تظهر على أرض الواقع.
بيونغ يانغ التي لم تعد كما عهدتها
في العاصمة، تغيرت الحياة بصورة لافتة، مطاعم تقدم البيتزا المخبوزة في الأفران الحجرية وأجنحة الدجاج، وأنظمة دفع عبر رموز الاستجابة السريعة "كيو آر-كود"، وسيارات كهربائية صينية تجوب الشوارع، بل وحتى وكالات لبيع سيارات "بي إم دبليو".
كما أصبحت تطبيقات حجز سيارات الأجرة مثل "سام هونغ" – على غرار خدمة "أوبر" - توفر خدماتها خلال دقائق، بعدما كان الانتظار الطويل جزءًا من الحياة اليومية، ولم يتوقف التغيير عند هذا الحد.
وشهدت العاصمة طفرة عمرانية كبيرة مع تشييد أكثر من 10 آلاف منزل جديد خلال العام الماضي، كما انتشرت الهواتف الذكية على نطاق واسع، مع وجود أكثر من 50 علامة تجارية مختلفة.

مفارقات اقتصادية
لا تبدو هذه التحولات مجرد دعاية رسمية، إذ تشير تقارير مراكز الأبحاث الكورية الجنوبية إلى توسع مرافق تخزين النفط وزيادة حركة السفن، كما أن صور الأقمار الصناعية تظهر أن البلاد باتت أكثر إشراقًا ليلًا بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات.
ووفقًا للتقديرات، نما اقتصاد كوريا الشمالية بنسبة 3.7% خلال عام 2024، وهو أسرع معدل نمو منذ ثماني سنوات.
لكن هذه القصة تحمل وجهًا قاسيًا خارج حدود العاصمة، إذ يعاني نحو نصف سكان البلاد (البالغ عددهم 26 مليونًا تقريبًا) من سوء التغذية.
ويلقي الاقتصاد الكوري الذي يقل ناتجه المحلي الإجمالي السنوي عن 1% من إجمالي الناتج الأمريكي، بظلاله الثقيلة على المواطن البسيط؛ إذ فقد "الوون" الكوري الشمالي أكثر من ثلثي قيمته مقابل الدولار العام الماضي، بينما تضاعفت أسعار الأرز ثلاث مرات.
طوق النجاة
بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، بدأت عجلة الاقتصاد تدور بشكل درامي، حينها استغلت بيونغ يانغ الفرصة وأيدت موسكو علنًا، لتتحول لاحقًا إلى مورد رئيسي للذخائر والقوات إلى روسيا.
ووفقًا لمعهد الدراسات الأمنية والاستراتيجية "آي إن إس إس"، حصدت كوريا الشمالية عائدات من تلك العمليات تجاوزت 10 مليارات دولار من صيف 2023 وحتى نهاية العام الماضي، وهو ما مثل دفعة قوية لاقتصاد يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي حوالي 27 مليار دولار فقط.
كما تتحدث تقارير أمنية عن مليارات أخرى تدفقت عبر عمليات استهدفت منصات تداول العملات الرقمية، وإلى جانب ذلك، وفرت الصين التمويل والسلع والمكونات الصناعية، بينما واصلت روسيا تزويد بيونغ يانغ بالنفط ومصادر الدعم المختلفة.
ومع تدفق هذه الموارد، استأنفت كوريا الشمالية مشاريع ضخمة ظلت متوقفة لسنوات، من بينها أكبر مستشفى في العاصمة، وأطلقت خطة لإنشاء مصانع جديدة في 20 مدينة ومقاطعة سنويًا على مدى عقد كامل، بالتوازي مع توسيع المتاجر والصيدليات الحكومية والحد من أنشطة السوق السوداء.

الشريك الاقتصادي الأبرز
في قلب هذا المشهد تقف الصين، الشريك الاقتصادي الأهم للبلاد، إذ ارتفعت التجارة الثنائية بين البلدين خلال أول شهرين من العام الجاري بنسبة 22% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، إذ تعتمد كوريا الشمالية على الصين في الوقود والغذاء والإلكترونيات والآلات والمركبات، كما تمر نسبة كبيرة من صادراتها عبر الشركات والموانئ الصينية.
وتروج العديد من العلامات التجارية الصينية لتجارتها في كوريا الشمالية رغم أن هذه المبيعات تخالف العقوبات، ويعتمد انتشار الأجهزة التقنية، الذي أدى إلى ظهور اقتصاد رقمي في كوريا الشمالية، بصورة كبيرة على المكونات الصينية.
واليوم وصل الرئيس الصيني "شي جين بينغ" إلى بيونغ يانغ في أول زيارة له للبلاد منذ سبع سنوات، وصرح بأن العلاقات بين الصين وكوريا الشمالية تمر بـ"مرحلة تاريخية جديدة".
هكذا تبدو كوريا الشمالية اليوم: دولة لا تزال من أكثر دول العالم عزلة، لكنها تحقق في الوقت نفسه انتعاشًا اقتصاديًا لم يتوقعه كثيرون، وبينما يتحدث الزعيم الكوري عن "تحول أشبه بالمعجزة"، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نجحت بيونغ يانغ في بناء نموذج اقتصادي جديد، أم أن ازدهارها الحالي مجرد ثمرة مؤقتة لظروف استثنائية صنعتها الحرب والعقوبات نفسها؟
المصادر: وول ستريت جورنال – نيويورك تايمز - بي بي سي
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}