رغم الصلاحيات الواسعة التي حظي بها الرئيس "دونالد ترامب" خلال ولايته الثانية في ملفات شائكة كالهجرة، فإن طموحاته اصطدمت بجدار صلب عندما تعلق الأمر بالسياسة النقدية. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، شن "ترامب" حملة ضغط غير مسبوقة لإخضاع الاحتياطي الفيدرالي لرغباته، لكن مساعيه، حتى اللحظة، باءت بالفشل.
 

 فبينما يواصل المطالبة بخفض الفائدة، تتزايد التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى رفعها لاحقًا هذا العام إذا استمرت الضغوط التضخمية، في الوقت الذي وجه فيه القضاء الأمريكي ضربة أخرى لمحاولات الإدارة إعادة تشكيل مجلس محافظي البنك.
 


 

هزيمة قانونية تحسم الجولة الأولى

كانت المحاولة الأبرز في هذه المعركة هي السعي غير المسبوق لعزل "ليزا كوك"، عضو مجلس المحافظين، تحت ستار مزاعم تتعلق باحتيال عقاري، إلا أن "كوك" ومحاميها أدركوا مبكرًا أن الهدف الحقيقي لم يكن سوى معاقبتها على التمسك باستقلالية القرار ورفض خفض الفائدة استجابة للضغوط السياسية.
 

وفي حكم تاريخي صدر في التاسع والعشرين من يونيو، أكدت المحكمة العليا بقاء "كوك" في منصبها ريثما تبتّ في مزاعم الاحتيال العقاري - التي لم تثبت صحتها  - في محكمة اتحادية أدنى.
 

ورفضت المحكمة تجاوز القوانين التي تحمي مسؤولي الفيدرالي من العزل بسبب خلافات حول السياسة النقدية، محذرة من أن السماح بذلك قد يفتح الباب أمام تدخلات سياسية تهدد مصداقية البنك المركزي.
 

ولم يكن القرار مجرد انتصار شخصي لـ "كوك" ذاتها، بل رسالة أوسع للأسواق مفادها أن تغيير توجهات السياسة النقدية لا يتم عبر تغيير أعضاء المجلس كلما اختلفوا مع الرئيس.
 


 

شبح "باول" لا يزال يخيم على البنك

كما حرم هذا الحكم "ترامب" من فرصة تعيين عضو جديد يتبنى موقفًا أكثر توافقًا مع دعواته لخفض أسعار الفائدة، وعزز القناعة بأن قدرة البيت الأبيض على الضغط على قيادة الفيدرالي أو إعادة تشكيل مجلس المحافظين أصبحت أكثر محدودية، وهو ما بدد جزءًا من المخاوف التي سادت الأسواق بشأن احتمال تراجع استقلالية البنك المركزي.
 

وجاء الحكم امتدادًا لسلسلة من الانتكاسات التي واجهتها الإدارة في هذا الملف، خاصة بعدما أسقط أيضًا التحقيق الذي كانت وزارة العدل قد فتحته بحق "جيروم باول" بشأن تكاليف تجديد مقر البنك المركزي.
 

ورغم أن "كيفن وارش" – مرشح "ترامب" - تولى رئاسة البنك في مايو، فإن قرار "باول" بالبقاء كمحافظ في المجلس حتى عام 2028 ، حرم الرئيس من مقعد إضافي لتعيين حليف متوافق مع رؤيته.
 

كل هذا يلقي بظلاله الثقيلة على "وارش"، الذي يجد نفسه في موقف بالغ التعقيد، فقدرة البيت الأبيض على الضغط عليه باتت محدودة للغاية بعد حكم المحكمة الأخير، كما أنه أكد مرارًا على أنه لم يقطع أي وعود للرئيس بخفض تكاليف الاقتراض.
 


 

رفع الفائدة المحتمل: الفصل الأخير في معركة "ترامب" الخاسرة

في الوقت الذي يواصل فيه "ترامب" المطالبة بخفض تكاليف الاقتراض لدعم النمو، تتغير الظروف الاقتصادية بصورة لا تخدم هذا الهدف.
 

فالتداعيات التضخمية الناتجة عن الرسوم الجمركية والحرب التي شنها "ترامب" ضد إيران، دفعت عددًا من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي والمراقبين إلى التحذير من أن خفض الفائدة قد يتأجل لفترة أطول، بل إن خيار رفعها مجددًا هذا العام أصبح مطروحًا إذا عادت الضغوط السعرية للارتفاع.
 

رغم أن التوصل لمذكرة تفاهم مبدئية مع طهران أدى إلى تراجع أسعار النفط والبنزين نسبيًا مؤخراً، فإن المعركة الحقيقية تقترب، فإذا استمر التضخم، فسيضطر الفيدرالي لتشديد السياسة النقدية، وهو قرار سيزيد من تكاليف الاقتراض ويثير بلا شك غضب الرئيس الذي قد ينفد صبره سريعًا، لتشتعل التوترات مجددًا.
 


 

الرابح الأكبر... استقلالية الفيدرالي

أعادت التطورات الأخيرة التأكيد على أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي لا تزال تشكل إحدى أهم ركائز الثقة في الاقتصاد الأمريكي والأسواق المالية، وفي مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية.
 

إذ تمنح البنك القدرة على اتخاذ قرارات قد تكون مؤلمة على المدى القصير، لكنها ضرورية للحفاظ على استقرار الأسعار ومصداقية السياسة النقدية، بعيدًا عن الضغوط السياسية المرتبطة بدورات الانتخابات أو أولويات الإدارات المتعاقبة.
 

حتى الآن، تبدو كفة الاحتياطي الفيدرالي أرجح في مواجهة ضغوط البيت الأبيض، ومع ذلك، فإن المعركة لم تُحسم نهائيًا؛ طالما ظل التضخم محورًا للجدل، وظلت أسعار الفائدة قضية شائكة، سيبقى الصدام بين "ترامب" والفيدرالي مرشحًا للتجدد مع كل اجتماع جديد للبنك المركزي.

 

المصادر: أرقام  - فورتشن – سي إن إن  - بوليتيكو – مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (سي إف آر) -  وول ستريت جورنال

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.