"الأكبر هو الأفضل"... شعار قاد "دايموند فودز" لعقود من التوسع والاستحواذ، لكنه تحول تدريجيًا إلى فخ، فحين يصبح النمو غاية في حد ذاته، قد تتحول المحاسبة من أداة لقياس الأداء إلى وسيلة لإخفاء الحقيقة، وبين حلم الاستحواذ على "برينجلز" وضغوط تحقيق الأرباح، بدأت الشركة في رسم واحدة من قصص الخداع المالي في تاريخ الشركات.

 

 

هل الأكبر هو الأفضل؟

في عام 1912، تأسست الشركة في ولاية كاليفورنيا، وبدأت التوسع عالميًا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لتصبح لاعبًا رئيسيًا في سوق المكسرات والوجبات الخفيفة، مدعومة بتاريخ طويل من الاستحواذات وسياسة توسعية جسدها شعار غير معلن داخل الشركة: الأكبر هو الأفضل.

 

ومع اشتداد المنافسة، تحولت وتيرة النمو السريع إلى هدف بحد ذاته، ما فرض ضغوطًا متزايدة على الإدارة للحفاظ على معدلات ربحية مرتفعة، وأدت هذه الأيديولوجية إلى تراكم ديون ضخمة، والحصول على قروض لإتمام عمليات الاستحواذ.

 

وبسبب هذه القروض، أبرمت "دايموند" اتفاقيات ديون تتطلب استيفاء معايير أداء محددة، كما تضمنت إحدى اتفاقيات الديون شرطًا يتعلق بنسبة الدين إلى الأرباح، مما يُلزم الشركة بتحقيق أرباح أعلى.

 

بلغت هذه الضغوط ذروتها عام 2011، عندما أعلنت "دايموند فودز" خطتها للاستحواذ على العلامة التجارية "برينجلز" من "بروكتر آند جامبل" في صفقة بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار، كانت كفيلة بنقل الشركة إلى مصاف كبار منتجي الوجبات الخفيفة عالميًا.

 

لكن نجاح الصفقة كان يتطلب استمرار "دايموند" – التي لديها خطوط إنتاج متنوعة تشمل رقائق البطاطس وتتمتع بسمعة تاريخية في تنفيذ عمليات استحواذ مكلفة -  في إظهار نتائج مالية قوية، وهو ما فتح الباب أمام واحدة من أخطر الممارسات المحاسبية.

 

فبدلاً من تسجيل مدفوعات مستحقة للمزارعين مقابل جوز تم تسليمه في الفترات المالية الصحيحة، عمدت الإدارة إلى ترحيلها إلى السنوات اللاحقة، ما أدى إلى خفض التكاليف المسجلة مؤقتًا وتضخيم الأرباح المعلنة خلال العامين الماليين 2010 و2011. وبهذه الآلية، بدت الشركة وكأنها تتجاوز باستمرار توقعات المحللين، بينما كانت الأرباح المعلنة لا تعكس واقع أعمالها.

 

 

تفكيك خيوط التلاعب

بدأت خيوط الاحتيال المالي تتكشف عندما أثار محللون تساؤلات حول توقيت تسجيل مدفوعات الموردين، لتدافع الشركة في البداية عن موقفها معتبرة أن تلك الأموال مجرد دفعات مقدمة.

 

 لكن التحقيقات الداخلية والخارجية انتهت إلى نتيجة مختلفة، إذ كشفت أن دفعات تقارب قيمتها 20 مليون دولار في عام 2010 ونحو 60 مليون دولار في عام 2011 سُجلت في فترات محاسبية غير صحيحة، بهدف تأجيل الاعتراف بالتكاليف وتحسين النتائج المالية.

 

وأظهرت التحقيقات أيضًا أن هذا التلاعب رفع ربحية السهم لعام 2011 إلى 2.61 دولار مقارنة مع الربح الفعلي البالغ 1.14 دولار  للسهم، الأمر الذي عزز مكافآت كبار التنفيذيين بملايين الدولارات، كما دعم تقييم الشركة خلال مفاوضات الاستحواذ على "برينجلز"، التي كان من المقرر سداد جزء من قيمتها بأسهم "دايموند فودز".

 

 

تداعيات الفضيحة

مع اتساع التحقيقات التي أجرتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، اضطرت الشركة في نوفمبر 2012 إلى إعادة صياغة نتائجها المالية، لتقر فعليًا بتسجيل التكاليف في غير مواضعها.

 

وأسفرت المراجعة عن حذف أرباح سبق الإعلان عنها بقيمة 56.5 مليون دولار، بينما انهار سعر السهم من ذروته البالغة نحو 90 دولارًا في 2011 إلى نحو 12.50 دولار بعد إعادة إعلان النتائج.

 

ولم تتوقف التداعيات عند خسائر السوق، إذ انهارت صفقة الاستحواذ على "برينجلز"، وأُقيل الرئيس التنفيذي والمدير المالي لـ "دايموند"، كما واجهت الشركة دعاوى قضائية من المستثمرين انتهت بتسوية في عام 2013، إلى جانب تضرر علاقتها بمزارعي الجوز الذين شكلوا أساس سلسلة التوريد.

 

ولتفادي الانهيار الكامل، حصلت الشركة على تمويل إنقاذ بقيمة 225 مليون دولار، وأطلقت الإدارة الجديدة خطة لإصلاح الضوابط الداخلية وتعزيز الشفافية وإعادة بناء الثقة مع المستثمرين والموردين، في محاولة لطي صفحة الفضيحة.


 

في النهاية، لم تكن أزمة "دايموند فودز" نتيجة تراجع الطلب أو ضعف منتجاتها، بل كانت ثمرة السعي المحموم إلى النمو بأي ثمن. فما بدأ بشعار غير معلن مفاده أن "الأكبر هو الأفضل"، انتهى بإثبات أن التوسع يفقد قيمته عندما يبنى على أرقام لا تعكس الواقع، وأن الثقة التي تستغرق سنوات لبنائها قد تهدمها مخالفة محاسبية واحدة.

 

المصادر: أرقام – جامعة نيومكسيكو – هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية – رويترز – وول ستريت جورنال

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.