في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير المالية عن تريليونات الدولارات التي تتدفق بين الأجيال كأكبر هجرة للثروة في التاريخ، هناك حقيقة بيولوجية تصدم دول العالم الآن، وهي أن الأموال باتت تصل إلى وجهتها بعد فوات الأوان اقتصاديًا.



فالأبناء الآن يرثون آباءهم وهم في سن تؤهلهم ليكونوا أجدادًا! هذا الامتداد البيولوجي للعمر غيّر مفهوم "سرعة دوران النقد"؛ فالدولار في يد شاب في الثلاثين يتحول فورًا إلى استهلاك، ومنازل جديدة، ومخاطرة تجارية.


في المقابل، يذهب الدولار نفسه في يد رجل في الستين إلى مصادر أكثر تحفظًا، مثل الادخار، وسداد الديون، أو الاستثمار في أدوات منخفضة المخاطر، استعدادًا للتقاعد أو لنقله إلى الجيل التالي.


فوفقًا لبيانات الأمم المتحدة، ارتفع متوسط العمر المتوقع عالميًا من نحو 46 عامًا في خمسينيات القرن الماضي إلى أكثر من 73 عامًا حاليًا، بينما يتجاوز 80 عامًا في عدد من الاقتصادات المتقدمة مثل اليابان وسويسرا وإسبانيا.


وهكذا، لا يتغير فقط مالك الثروة، بل يتغير أيضًا أثرها في الاقتصاد؛ إذ تتراجع قدرتها على تحفيز الاستهلاك والاستثمار وريادة الأعمال، لتتحول من محرك للنمو إلى أداة للحفاظ على الثروة.


فحين يصل الميراث بعد انتهاء مرحلة شراء المنزل، أو تربية الأبناء، أو تأسيس المشروع الخاص، تتغير الطريقة التي تُستخدم بها هذه الأموال، ويتغير معها تأثيرها في الاقتصاد ككل.


الميراث الأكبر في التاريخ


تشير تقديرات تقرير يو بي إس للثروة العالمية إلى أن العالم يقف أمام واحدة من أكبر موجات انتقال الثروة في التاريخ، إذ يُتوقع انتقال أكثر من 80 تريليون دولار أمريكي من الأصول بين الأجيال خلال العقدين أو الثلاثة المقبلة.


وفي حين من المنتظر أن تنتقل نحو 9 تريليونات دولار بين الأزواج، فإن الجزء الأكبر من هذا الرقم سيذهب إلى الأبناء والأحفاد.


وتشير تقديرات التقرير أيضًا إلى أن الجزء الأكبر من تلك الأموال يتركز في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وأستراليا، لكن اللافت ليس حجم الأموال، وإنما توقيت انتقالها.



فبحسب دراسات صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وعدد من مراكز أبحاث الثروة، أصبح متوسط عمر الورثة عند الحصول على الميراث أعلى بكثير مما كان عليه قبل عقود، إذ يتلقى كثير منهم أموالهم بعد سن الخمسين.

أما في الماضي، فكان انتقال الثروة يحدث خلال الثلاثينيات أو أوائل الأربعينيات نتيجة انخفاض متوسط الأعمار.

ويرى اقتصاديون أن هذا التغير يقلل الأثر الاقتصادي المباشر للميراث، فاستخدامات الورثة للميراث في سن 35 قد تكون شراء منزل، أو تأسيس شركة، أو الاستثمار في التعليم، وهي قرارات تضيف نشاطًا اقتصاديًا طويل الأجل.

أما إذا حصل على المبلغ نفسه بعد سن 55، فمن المرجح أن يوجه جزءًا كبيرًا منه إلى الادخار أو الاستثمار منخفض المخاطر أو التخطيط لتوريثه إلى الجيل التالي.

وأشارت دراسة أجراها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لتتبع الشؤون المالية للمستهلكين، إلى أن طفرات الثروة المفاجئة الناتجة عن الميراث والتي يتم تلقيها بعد سن 55 عامًا تؤدي إلى تغييرات طفيفة للغاية في أسلوب الحياة اليومي للفرد أو عاداته الاستهلاكية.


سوق الإسكان... الضحية الأولى


يُعد سوق الإسكان من أكثر القطاعات تأثرًا بهذه الظاهرة، ففي الماضي، كان الميراث يساعد كثيرًا من الأبناء على توفير الدفعة الأولى لشراء منزل في بداية حياتهم العملية.


أما اليوم فأصبح كثير منهم ينتظر الدعم المالي في مرحلة يكون قد اشترى فيها منزلًا بالفعل، أو أصبح مثقلًا بقرض عقاري طويل الأجل.


وتوضح بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن أسعار المساكن في معظم الاقتصادات المتقدمة ارتفعت بوتيرة أسرع من نمو دخول الأسر خلال العقدين الماضيين، ما جعل دخول سوق العقارات أكثر صعوبة أمام الأجيال الشابة.


وفي الوقت نفسه، تشير دراسات مركز هارفارد المشترك لدراسات الإسكان إلى أن الاعتماد على الدعم العائلي أو الميراث لشراء أول منزل أصبح أكبر من أي وقت مضى، خصوصًا في المدن ذات الأسعار المرتفعة.



وساهم هذا الواقع مباشرة في رفع متوسط عمر مشتري المنازل لأول مرة، ليصل إلى ذروة تاريخية عند 36 عامًا في العديد من الاقتصادات الكبرى، مقارنة بأواخر العشرينيات في ثمانينيات القرن الماضي، وفق بيانات الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين.


وتبرز المملكة المتحدة مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ تشير تقديرات مؤسسات متخصصة في سوق العقارات وإدارة الثروات إلى أن مساهمة الآباء والأجداد في تمويل شراء المنازل الأولى أصبحت تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات الإسترلينية سنويًا.


وعندما يتأخر انتقال الثروة، يضطر كثير من الشباب إلى الاقتراض لفترات أطول أو تأجيل قرار شراء المنزل بالكامل، وهو ما ينعكس على معدلات تكوين الأسر والإنفاق الاستهلاكي.


الاستثمار يتغير.. من البحث عن النمو إلى حماية الثروة


يمتد التحول أيضًا إلى طبيعة الاستثمار. فالشباب الذين يحصلون على ثروة مبكرًا عبر الميراث يكونون أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر، سواء عبر تأسيس شركات ناشئة أو الاستثمار في الأسهم أو توسيع أعمالهم الخاصة.

أما من يحصل على الميراث قرب التقاعد، فعادةً ما يفضل الحفاظ على رأس المال بدلًا من تعظيم العائد. ولذلك تتجه نسبة أكبر من هذه الأموال إلى السندات، والودائع، والصناديق منخفضة المخاطر، والعقارات المدرة للدخل، بدلًا من الاستثمارات الأكثر مخاطرة.


وتشير تقارير شركات إدارة الأصول العالمية إلى أن توزيع المحافظ الاستثمارية يصبح أكثر تحفظًا مع التقدم في العمر، وهو ما يعني أن توقيت انتقال الثروة لا يحدد فقط من يمتلك المال، بل يحدد أيضًا أين سيذهب هذا المال.


وبات المستشارون يديرون بشكل متزايد ما يعرف بـ "حلقة الميراث المزدوجة"؛ حيث يقوم المتلقي البالغ من العمر 60 عامًا بنقل ثروة والديه الراحلين فورًا إلى صناديق أمانات مخصصة لأبنائه هو، متجاوزًا بالكامل الدورة الاستهلاكية لجيله.


هذا الوضع دفع المؤسسات المالية والبنوك إلى تطوير منتجات وخدمات مخصصة للعملاء المتقدمين في العمر، مثل إدارة الأمانات، بدلًا من التركيز فقط على تنمية رأس المال.


إعادة صياغة العقد الاقتصادي الضمني بين الأجيال


بدأت بعض العائلات تغير طريقة نقل ثرواتها، فبدلًا من انتظار انتقال الميراث بعد الوفاة، يتجه عدد متزايد من الآباء إلى تقديم هبات مالية لأبنائهم خلال حياتهم لمساعدتهم على شراء أول منزل أو تأسيس مشروع أو سداد تكاليف التعليم.



ويرى عدد من خبراء إدارة الثروات أن هذا الأسلوب يمنح الأموال أثرًا اقتصاديًا أكبر، لأنها تصل في مرحلة تكون فيها أكثر قدرة على تغيير المسار المالي للمستفيدين.


وتكشف ظاهرة تأخر انتقال الميراث أن التحدي لم يعد يكمن في حجم الثروة العالمية، بل في توقيت انتقالها.


فكلما امتدت الأعمار، انتقلت الأموال إلى ورثة أنهوا بالفعل معظم قراراتهم المالية الكبرى، لتتراجع قدرتها على تحفيز الاستهلاك، أو دعم ريادة الأعمال، أو تسهيل امتلاك المنازل، مقارنة بما كان يحدث قبل عقود.


ويخلق هذا الدوران البطيء لرأس المال فجوة صارخة بين القيمة الاسمية للثروة العالمية وفائدتها الاقتصادية الحقيقية على أرض الواقع.


وبينما تظهر الميزانيات العمومية مبالغ قياسية تتناقلها التركات، فإن الأثر الفعلي لتلك الأموال يظل باهتًا ومقيدًا بسبب السن المتقدمة لمن يتسلمونها.


وفي اقتصاد يزداد فيه متوسط الأعمار عامًا بعد آخر، قد تصبح سرعة انتقال الثروة عاملًا لا يقل أهمية عن حجمها نفسه في رسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.


المصادر: الأمم المتحدة- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- يو بي إس- صندوق النقد الدولي- مركز هارفارد المشترك لدراسات الإسكان- مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني- المعهد المالي البريطاني- يورواستات

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.