مفارقة جيفونز .. لماذا ترتفع فواتير الذكاء الاصطناعي كلما تراجعت تكلفته؟
قبل عام واحد فقط، كانت الشركات في مختلف المجالات تتسابق لإثبات ريادتها في ثورة الذكاء الاصطناعي، وسارع المديرون التنفيذيون لتشجيع الموظفين على استخدام الأدوات التقنية الجديدة في كل مهمة تقريبًا، بل قدموا حوافز لذلك ظنًا منهم أن كثافة الاستخدام تعتبر دليلًا على الابتكار وعدم التخلف عن الركب.
لكن مع وصول الفواتير الضخمة، تغير الوضع وأصبح السؤال المطروح: ما العائد من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؟ وهنا تعود إلى الأذهان "مفارقة جيفونز" التي ترجع إلى القرن التاسع عشر وتقدم تفسيرًا لهذه الظاهرة.

التاريخ يعيد نفسه
في عام 1865، لاحظ الاقتصادي "ويليام ستانلي جيفونز" أن تحسين كفاءة محركات البخار لم يؤد إلى تقليل استهلاك الفحم، بل إلى مضاعفته، لأن انخفاض التكلفة شجع على زيادة الاستخدام.
ويتكرر المشهد نفسه اليوم مع الذكاء الاصطناعي، إذ انخفضت تكلفة "التوكن" أو وحدة المعالجة الرقمية بأكثر من 90% منذ عام 2023، في حين تضاعف الإنفاق على نماذج الذكاء الاصطناعي.
ويفسر "تورستن سلوك"، كبير الاقتصاديين لدى "أبولو"، الظاهرة بأن انخفاض سعر الرمز لا يدفع الشركات إلى تقليل الإنفاق، بل لتشغيل وكلاء أكثر وتوسيع نطاق الأتمتة، مما يرفع الإجمالي رغم رخص تكلفة الوحدة.
ويؤكد تحليل "باين آند كومباني" ذلك: فقد انخفضت تكلفة الرمز إلى النصف بين نهاية عامي 2024 و2025، بينما ارتفع عدد الرموز المستخدمة 450% في الفترة نفسها، مدفوعًا برغبة الشركات في مواكبة أحدث التقنيات وتزايد تعقيد المهام.

من استعراض الابتكار إلى صدمة الفواتير
في بداية موجة الذكاء الاصطناعي، كان تبني هذه الأدوات بمثابة رسالة موجهة إلى المستثمرين بأن الشركة لن تفوت الثورة التكنولوجية المقبلة، حتى أن بعض الشركات كافأت الموظفين على زيادة الاستخدام، مما دفع بعضهم إلى استخدام النماذج الأكثر تكلفة حتى في المهام البسيطة لإظهار الريادة التقنية.
لكن هذا الوهم سرعان ما تبدد عندما تحولت الشركات المطورة لأدوات الذكاء الاصطناعي (مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك") من نظام الاشتراكات الثابتة إلى نظام الفوترة القائم على الاستهلاك أو "الرموز الرقمية"، وعندها اكتشفت الإدارات المالية أن أدوات الإنتاجية المُبهرة تحولت إلى فواتير باهظة.
واتضح أن تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي لفترات طويلة قد يكلف مئات الدولارات في جلسة واحدة، وفي بعض الحالات تتجاوز تكلفة الحوسبة تكلفة العمالة البشرية نفسها.
وهذا ما دفع "كوستي بيريكوس" المسؤول لدى "ديلويت" إلى القول إن الاعتقاد السائد بأن الذكاء الاصطناعي "رخيص أو مجاني" لم يعد صحيحًا، فيما أقرّ "سام ألتمان" الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي"، بأن التكلفة أصبحت "مشكلة كبيرة" لعملائه هذا العام، بعدما لم تكن كذلك العام الماضي.
كذلك، لم ترتفع الإنتاجية بالوتيرة نفسها التي زاد بها الإنفاق، وبحسب بيانات شركة "إنتلجنس إيه آي"، فإن 18% فقط من الإنفاق على الرموز الرقمية في شركات البرمجيات يتحول إلى منتجات تصل بالفعل إلى المستخدمين، بينما يتبدد الباقي بين التجارب والاستخدامات غير الضرورية.

استجابة الشركات
تتنوع أساليب الشركات في ضبط الإنفاق، فبعضها لجأ إلى التحول نحو "النماذج المصغرة" التي لا تتجاوز تكلفتها 0.05 دولار لكل مليون رمز مقابل 15 دولارًا للنماذج الرائدة، والبعض اضطر إلى تقسيم المهام المعقدة وتوجيه كل جزء إلى النموذج الأنسب من حيث التكلفة، أو فرض ميزانيات محددة للرموز المتاحة لكل مستخدم، أو اللجوء إلى نماذج مفتوحة المصدر.
والأهم أن الإدارات بدأت ترسل رسالة معاكسة تمامًا لتلك التي كانت تبعث بها قبل أشهر: لا تستخدم الذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه.
وعلى سبيل المثال، "أوبر تكنولوجيز" التي استنفدت ميزانيتها المخصصة للذكاء الاصطناعي خلال أربعة أشهر فقط، مع تكاليف تراوحت بين 500 و2000 دولار شهريًا لكل مهندس، لجأت إلى فرض سقف 1500 دولار شهريًا لكل موظف، مع لوحات تحكم فردية وآلية لطلب تجاوز الحد الأقصى.
كما قيدت "مايكروسوفت" وصول بعض الموظفين إلى أدوات "أنثروبيك"، وطورت "سيلزفورس" نظامًا لربط استخدام الرموز بنتائج الأعمال الفعلية، كذلك انضمت "أمازون" و"وول مارت" و"سيسكو" و"ميتا" إلى قائمة الشركات التي بدأت تكبح الاستخدام المفرط.

مخاوف
وبذلك ينتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة "التجربة الجماعية" إلى مرحلة "المحاسبة الصارمة"، حيث يُقاس كل استعلام وكل مهمة بمؤشرات العائد، لا بعدد مرات الاستخدام.
ويضاف إلى هذا الجدل تفوق الشركات الصينية المطورة في تقديم نماذج أقل تكلفة، ما يمنحها ميزة تنافسية رغم تحفظ الشركات الأمريكية على استخدامها.
كما يرى منتقدون أن هذا التحول نحو الترشيد قد يكون مؤشرًا على تباطؤ وتيرة نمو القطاع، في توقيت حساس تستعد فيه "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" لطرح أسهمهما للاكتتاب العام.
وفي النهاية، كما أدى تحسين كفاءة محركات البخار قبل أكثر من قرن إلى استهلاك المزيد من الفحم، أدى انخفاض تكلفة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة استخدامه وارتفاع فاتورته، وبين هذين المشهدين، يتكرر الدرس نفسه: التكنولوجيا لا تُقاس بقدرتها على الإبهار، بل بقدرتها على تعزيز الإنتاجية بما يبرر تكلفتها.
المصادر: أرقام – فورتشن – وول ستريت جورنال – موقع "أكسيوس" – بيزنس إنسايدر – فاينانشال تايمز - تك كرانش
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}