هندسة الخداع المالي .. حين بني النمو على الديون لا الأرباح
عام 1967، كان "كيم وو تشونغ" يملك رأس مال متواضعًا، ولم يكن يعمل في شركته الكورية الجنوبية "دايو – Daewoo" سوى خمسة موظفين فقط، وخلال ثلاثة عقود، أصبحت المجموعة تصنع كل شيء من السفن إلى الأسلحة، وتُوظّف 300 ألف شخص في مئة دولة، لكن خلف هذا البريق، كانت تُحاك عملية احتيالية معقدة، جعلت المؤسسة تبنى بأكملها على الديون لا الأرباح.

فلسفة النمو بأي ثمن
آمن "كيم" بفلسفة "النمو بأي ثمن"، ولم يخش الديون يومًا، بل كان شعاره: "إذا لم تكن لدينا التكنولوجيا، فيمكننا شراؤها.. وإذا لم يكن لدينا المال، فيمكننا الاقتراض".
هذا الشعار حوّل "دايو"، التي تأسست عام 1967، من مُصدّر منسوجات إلى ثالث أكبر تكتل (تشيبول) في كوريا الجنوبية بعد "سامسونج" و"لاكي –جولد ستار (إل جي)، وذلك عبر استحواذات ممولة بالكامل بالديون، لا ببناء تدريجي للأرباح.
تمحورت استراتيجيته حول تغليب "الحجم" على "الربحية"، مستفيداً من القروض الحكومية منخفضة الفائدة، وبحلول أواخر التسعينيات، كانت الشركة قد اقترضت أكثر من 80 مليار دولار لتمويل طموحاتها التوسعية، وهو مبلغ فاق الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول آنذاك، لتنمو الشركة بوتيرة أسرع بكثير من قدرة ميزانيتها على التحمل.

آليات التلاعب
اكتشف لاحقًا أن توسع "دايو" استند إلى نظام معقد بين شركاتها التابعة، إذ قدمت هذه الشركات ضمانات متبادلة للديون للبنوك، ما أدى إلى تضخيم قدرتها على الاقتراض بما يتجاوز قدراتها الأساسية، وكان هذا النظام أشبه بشبكة عنكبوتية تنقل المخاطر بدلاً من توزيعها، بحيث إن تعثر شركة واحدة يهدد الهيكل بأكمله.
بين عامي 1997 و1998، وبتوجيه مباشر من "كيم"، عمد مسؤولون تنفيذيون إلى تضخيم أصول الشركة المُعلنة بمقدار 41 تريليون وون (نحو 40 مليار دولار) حسب أسعار الصرف آنذاك، للحصول على قروض غير مشروعة بلغت 9.8 تريليون وون.
أما الأداة الأخطر فتمثلت في إصدار فواتير تصدير وهمية بالقيمة ذاتها، أي مبيعات مُختلقة دون شحنات أو تدفقات نقدية، صنع من خلالها وهم السيولة والنمو.
ولم يكتف "كيم" بخداع البنوك، فقد دبّر تحويل ما يقارب 20 مليار دولار من أموال الشركة عبر حسابات خارجية، كما قد نقلَ أصولاً من شركات محورية مثل "دايو موتور" إلى كيانات خارج البلاد تحت غطاء استثمارات وهمية، ضمن شبكة مترابطة من الاختلاس والقروض المخادعة.

الأزمة الآسيوية
حين ضربت الأزمة المالية الآسيوية القارة عام 1997، تصرفت "دايو" بعكس منافسيها: فبدلاً من تقليص أعمالها، أضافت 14 شركة جديدة وزادت ديونها 40%، وكأنها تُراهن على أن الوهم يمكن أن يستمر إلى الأبد.
لكن مع انخفاض قيمة الوون بأكثر من النصف، تضاعفت تكلفة خدمة الديون وتفاقمت ضغوط السيولة على الشركة، وأصبحت التزاماتها تجاه الدائنين الدوليين عبئًا ثقيلاً للغاية، في ظل تراجع القدرة التنافسية للصادرات وارتفاع الفائدة المحلية، وأصيب المستثمرون بالذعر، وبدأت "دايو" بالانهيار.
لتقضي الأزمة على النموذج الذي قامت عليه "دايو"، وفجأة، أصبحت المجموعة عاجزة عن سداد التزاماتها، وبدأت الشركات التابعة تتخلف عن السداد واحدة تلو الأخرى، قبل أن تنهار المجموعة رسميًا عام 1999 في أكبر إفلاس شهدته كوريا الجنوبية.
وتم بيع أو تصفية معظم الشركات التابعة، واستحوذت شركة "جنرال موتورز" على ذراع السيارات، بينما انتقلت أصول أخرى إلى ملاك جدد أو إلى الدولة.
وفر "كيم" من البلاد بعد الانهيار، لكنه عاد في عام 2005 ليواجه العدالة، وأُدين بالاحتيال المحاسبي والاختلاس والاقتراض غير القانوني، وحُكم عليه بالسجن بعد أن تحول من "بطل المعجزة الكورية" إلى رمز لأكبر فضيحة مالية في تاريخ البلاد، ثم توفي عام 2019 عن عمر يناهز 82 عامًا.

ولخص قرار المحكمة القضية بالقول إن انهيار مجموعة "دايو" كان نتيجة سوء إدارة مسؤوليها من خلال قروض غير حكيمة وغير قانونية، وأن أفعالهم الخاطئة تسببت في أضرار جسيمة للاقتصاد الكوري، وألحقت دمارًا بالبلاد.
وبذلك تظل قصة "دايو" الكورية درسًا كلاسيكيًا يعكس عواقب الطموح عندما يتجاوز حدود المنطق، ويثبت للأسواق العالمية أن الكيانات التي تُبنى على جبال من الديون والتلاعب، سرعان ما تنهار عند أول هزة اقتصادية مهما بلغ حجمها.
المصادر: أرقام – موقع "ميديم" – صحيفة "الإيكونومست" - لوس أنجلوس تايمز – رويترز – نيويورك تايمز
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}