دخلت أسواق الطاقة مرحلة جديدة من التحديات مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية عبر أبرز ممرات الطاقة العالمية، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد الإمدادات.

 

فقد شددت روسيا القيود على صادرات الديزل، وقفزت تكاليف التأمين على الناقلات في مضيقي هرمز وباب المندب، بينما عطلت الهجمات الأوكرانية صادرات نفط بحر قزوين، في تطورات تعزز المخاوف من اتساع اضطرابات الإمدادات العالمية.

 

وفي أسواق الغاز الطبيعي المسال، تكشف خسارة فرنسا ثماني شحنات لصالح آسيا عن احتدام المنافسة العالمية على الإمدادات الفورية.

 

وتشير هذه التطورات إلى أن الأسواق بدأت تعيد تسعير مخاطر النقل والشحن، وليس فقط مخاطر نقص الإمدادات، في تحول يعزز تأثير العوامل الجيوسياسية في حركة الأسعار ويُبقي أسواق الطاقة أكثر حساسية لأي تصعيد في الممرات البحرية خلال الفترة المقبلة.

 

روسيا تحظر صادرات الديزل وتزيد من معاناة الأسواق العالمية

 

 

تواجه أسواق الديزل العالمية ضغوطاً متزايدة على الإمدادات، بعدما شددت روسيا، ثاني أكبر مصدر للديزل في العالم، القيود على صادراتها من المادة، بالتزامن مع تراجع طاقتها التكريرية بفعل الهجمات الأوكرانية.

 

وتزيد اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط من مخاطر اتساع شح المعروض في الأسواق المستوردة، ولا سيما أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، بحسب تحليل أجرته وكالة «بلاتس» التابعة لـ«S&P Global Commodity Insights»

 

وأوقفت موسكو خلال شهر يوليو الحالي صادرات الديزل حتى نهاية الشهر، إلى جانب استمرار حظر البنزين، بينما يمتد حظر وقود الطائرات حتى نهاية نوفمبر، ما دفع هامش ربح الديزل في شمال غرب أوروبا إلى 70.3 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ مارس.

 

ورغم توقف الاتحاد الأوروبي عن استيراد المنتجات النفطية الروسية منذ عام 2023، فإن الأسواق ستواجه منافسة أشد على الإمدادات البديلة، فيما أعلنت موسكو أنها ستبدأ استيراد الديزل لتلبية الطلب المحلي.

 

وتسببت الهجمات الأوكرانية في خروج أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا من طاقة التكرير الروسية عن الخدمة، أي نحو 60% من إجمالي الطاقة التكريرية، ما أدى إلى هبوط صادرات الديزل وزيت الغاز إلى 14.8 مليون برميل في يونيو، مقارنة بمتوسط 24 مليون برميل بين مارس ومايو.

 

وكانت روسيا قد صدرت 805 آلاف برميل يوميًا من الديزل وزيت الغاز خلال 2025، لتظل ثاني أكبر مصدر عالمي بعد الولايات المتحدة.

 

وزادت هذه التطورات الضغوط على سوق الوقود في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، لترتفع أسعار الديزل في البحر المتوسط إلى 1,149.25 دولارًا للطن، مع تحول تركيا إلى استيراد الوقود من الهند بدلًا من روسيا، بينما تدرس موسكو استيراد منتجات نفطية للمرة الأولى منذ سنوات.

 

ويرى محللون أن اعتماد أوروبا على استيراد نحو مليون برميل يوميًا من الديزل، إلى جانب احتمال تراجع إنتاج الديزل في الولايات المتحدة لصالح البنزين، سيُبقي سوق الديزل العالمية في حالة شح، مع استمرار قوة الأسعار وهوامش التكرير خلال الأشهر المقبلة.

 

ارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات العابرة لمضيقي هرمز وباب المندب يزيد الضغوط على أسواق النفط

 

 

قفزت أقساط التأمين البحري على السفن العابرة لمضيق هرمز وباب المندب إلى مستويات غير مسبوقة، مع تصاعد الهجمات على ناقلات النفط وتزايد تردد شركات التأمين في توفير التغطية، في تطور يهدد بتعطيل تدفقات الخام من الخليج ورفع تكاليف الشحن والطاقة عالمياً.

 

وقال ماركوس بيكر، رئيس قطاع التأمين البحري والشحن والخدمات اللوجستية في شركة الوساطة Marsh، إن علاوات مخاطر الحرب ارتفعت إلى ما بين 7.5% و10% من قيمة السفينة، مقارنة بنحو 1% إلى 3% قبل أسابيع فقط، مع تزايد المخاطر الأمنية في مضيق هرمز.

 

وأضاف أن المشكلة لم تعد تقتصر على ارتفاع تكلفة التأمين، بل تمتد إلى تراجع استعداد شركات التأمين لتوفير تغطية فورية للسفن، محذراً من أن استمرار الهجمات قد يدفع المزيد من شركات التأمين إلى تقليص انكشافها على المنطقة.

 

ويأتي ذلك في وقت كثفت فيه إيران هجماتها على السفن التجارية العابرة عبر المياه العمانية، إذ سجلت المنظمة البحرية الدولية إصابة ثماني سفن خلال الفترة بين 13 و20 يوليو.

 

وأدى تصاعد المخاطر إلى انقسام سوق النقل البحري، إذ فضلت بعض شركات الشحن الانتظار خارج مضيق هرمز، بينما واصلت شركات أخرى تسيير رحلات محدودة عبر الممر، وهو ما انعكس على حركة الملاحة.

 

ووفقاً لبيانات S&P Global Commodities at Sea، انخفض عدد السفن العابرة للمضيق إلى 10 سفن في 21 يوليو، مقارنة مع 16 سفينة في اليوم السابق، في حين كان المضيق يشهد أكثر من 130 رحلة يومياً قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال المنقولة بحراً.

 

ورغم استقرار أسعار شحن النفط الخام من الخليج إلى الصين خلال الأيام الأخيرة، يرى مراقبون أن استمرار ارتفاع أقساط التأمين قد ينعكس تدريجياً على تكاليف النقل وأسعار النفط، خاصة إذا تراجعت أعداد السفن المستعدة لعبور المضيق.

 

وفي البحر الأحمر، بدت الضغوط أقل حدة، إذ بلغت علاوات التأمين على السفن العابرة مضيق باب المندب نحو 0.5% من قيمة السفينة، مقارنة مع 0.1% للسفن المتجهة إلى موانئ الساحل الغربي السعودي من دون المرور بالمضيق.

 

وأشار بيكر إلى أن تهديدات الحوثيين تثير قلق سوق التأمين، إلا أن تأثيرها لا يزال أقل من الوضع في هرمز، في ظل عدم تحول جميع التهديدات السابقة إلى هجمات فعلية.

 

مع ذلك، أظهرت بيانات الملاحة تراجع عدد السفن العابرة لباب المندب إلى 29 سفينة في 21 يوليو، مقابل 41 سفينة في اليوم السابق، بينما انخفض عدد ناقلات النفط العابرة من 16 إلى 7 ناقلات، بعد إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على الصادرات السعودية عبر البحر الأحمر.

 

ويرى محللون لدى HSBC أن المخاوف من توقف صادرات النفط عبر البحر الأحمر قد تكون مبالغاً فيها، مشيرين إلى أن مساري قناة السويس وخط أنابيب سوميد يوفران بديلاً عملياً، وإن كان ذلك سيؤدي إلى إطالة زمن الرحلات وزيادة الاعتماد على عمليات نقل الشحنات بين السفن، بما يرفع تكاليف الشحن العالمية.

 

تعطل صادرات نفط بحر قزوين يضيف ضغوطاً جديدة على الأسواق العالمية 

 

 

لا تزال صادرات النفط عبر اتحاد خط أنابيب بحر قزوين (CPC) تواجه حالة من عدم اليقين، بعدما أبقت الهجمات المتكررة بالطائرات المسيرة الأوكرانية على عمليات تحميل الخام في المحطة البحرية قرب ميناء نوفوروسيسك الروسي معلقة، ما أجبر كازاخستان على خفض إنتاجها مؤقتاً وأثار مخاوف بشأن أحد أهم مسارات تصدير النفط من آسيا الوسطى. 

 

وتعرضت أربع ناقلات لهجمات خلال أربعة أيام، كان آخرها استهداف الناقلة Nelsa أثناء تحميلها خام الأورال، بعد يوم واحد من استهداف الناقلتين Asia وNissos Ios، وناقلة Nordic Zenith قبل ذلك.

 

وعلى الرغم من أن المرافق التشغيلية للخط لم تتعرض لأضرار مباشرة، فإن المخاطر الأمنية دفعت المشغل إلى تعليق عمليات التحميل البحرية. 

 

وأكدت وزارة الطاقة الكازاخية أن جميع منشآت CPC لا تزال جاهزة فنياً لاستئناف الصادرات فور تحسن الأوضاع الأمنية، إلا أن تعليق التحميل أجبر شركات الإنتاج على خفض الإمدادات الواصلة إلى الخط لتجنب امتلاء مرافق التخزين، وهو ما انعكس على مستويات الإنتاج في البلاد. 

 

وتنقل شبكة CPC نحو 1.5 مليون برميل يومياً من النفط الكازاخي والروسي إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأسود، ما يجعلها شريان التصدير الرئيس لكازاخستان.

 

ورغم أن الخط غير خاضع للعقوبات الغربية، فإن استهداف الناقلات رفع المخاطر التشغيلية وأثار تردداً لدى بعض ملاك السفن بشأن الرسو في المحطة. 

 

ويرى محللو S&P Global Commodity Insights أن تأثير الهجمات على الأسعار سيظل محدوداً إذا استؤنفت عمليات التحميل سريعاً، لكن استمرار التعطل قد يؤدي إلى اتساع خصم خام CPC Blend وارتفاع تكاليف الشحن في البحر الأسود، فضلاً عن دعم أسعار خام برنت، خاصة في ظل التوترات المتزامنة التي تهدد الإمدادات عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر.

 

إلا أن وفرة الإمدادات المتجهة إلى البحر المتوسط من غرب أفريقيا وأمريكا اللاتينية قد تحد من أي ارتفاعات حادة في الأسعار، ما لم تستمر اضطرابات ممرات الطاقة في الشرق الأوسط لفترة أطول، وهو ما يجعل سرعة استئناف عمليات التحميل عبر CPC عاملاً مهماً في تحديد اتجاه السوق خلال الأيام المقبلة. 

 

فرنسا تخسر 8 شحنات غاز مسال مع تحول الموردين إلى الأسواق الآسيوية

 

 

تكبدت فرنسا خسارة ثماني شحنات من الغاز الطبيعي المسال كانت مقررة للتسليم خلال أغسطس، بعدما فضل الموردون إعادة توجيهها إلى الأسواق الآسيوية التي تقدم أسعاراً أعلى، في أحدث مؤشر على احتدام المنافسة العالمية على الإمدادات الفورية، رغم تحسن جاذبية السوق الفرنسية خلال الأسابيع الأخيرة.

 

وأظهرت بيانات مشغلي محطات الغاز الطبيعي المسال في فرنسا، Elengy وFluxys، أن جدول التسليمات لشهر أغسطس تقلص من 34 شحنة كانت مقررة حتى 20 يوليو إلى 26 شحنة فقط بحلول صباح الثلاثاء، بعد حذف ثماني شحنات خلال يوم واحد.

 

وشهدت محطة Montoir إلغاء خمس شحنات، فيما فقدت محطة Fos Cavaou ثلاث شحنات.

 

وبحسب تقرير لارغوس ميديا، أصبح الموردون يفضلون تحويل هذه الشحنات إلى أسواق تحقق عوائد أعلى، وفي مقدمتها شمال شرق آسيا، حيث ارتفعت الأسعار الفورية بما يكفي لتفوق جاذبية السوق الأوروبية، رغم تقلص الفارق السعري بين مؤشر الغاز الفرنسي (PEG)، وهو مرجع تسعير الغاز في فرنسا، ومؤشر TTF الهولندي، المرجع الرئيس لتسعير الغاز في أوروبا.

 

فقد انخفض خصم عقد أغسطس لمؤشر الغاز الفرنسي (PEG) إلى 0.15 يورو لكل ميغاواط/ساعة مقارنة بمؤشر TTF الهولندي يوم الإثنين، بعدما بلغ 0.675 يورو مطلع يوليو، وهو ما عزز نسبياً القدرة التنافسية للسوق الفرنسية.

 

كما تقلصت خصومات أسعار تسليم الغاز إلى شمال غرب أوروبا مقارنة بمؤشر PEG خلال النصف الثاني من أغسطس، ما يشير إلى تحسن تدريجي في اقتصاديات التسليم إلى فرنسا.

 

إلا أن هذا التحسن لم يكن كافياً لاستعادة الشحنات، إذ لا تزال الأسواق الآسيوية تقدم عوائد أعلى للموردين، وهو ما يبرز سرعة استجابة تجارة الغاز الطبيعي المسال للفروق السعرية بين المناطق.

 

وفي المقابل، أضافت Fluxys شحنة واحدة إلى جدول أغسطس في محطة دونكيرك، إلا أن ذلك لم يعوض الانخفاض الكبير في إجمالي الشحنات المتوقعة.

 

ورغم التراجع الأخير، لا يزال من المتوقع أن تستقبل فرنسا 26 شحنة خلال أغسطس، وهو مستوى يفوق متوسط وارداتها للشهر نفسه خلال الفترة بين 2023 و2025، والبالغ 24 شحنة.

 

أما على المدى القريب، فتشير البيانات إلى مزيد من الضعف في التدفقات، بعدما ألغت Fluxys أيضاً شحنتين كانتا مقررتين لشهر يوليو، ليتراجع إجمالي الشحنات المنتظرة بنهاية الشهر إلى 13 شحنة فقط، وهو أدنى مستوى شهري منذ يناير 2021.

 

ويعكس هذا التراجع تحولاً بدأ منذ يونيو، حين كانت فرنسا تتوقع استقبال 33 شحنة.

 

ففي ذلك الوقت، جرى تداول أسعار تسليم الغاز إلى شمال غرب أوروبا عند مستويات مساوية أو أعلى من أسعار مؤشر الغاز الفرنسي (PEG)، ما جعل عمليات التسليم إلى فرنسا غير مجدية اقتصادياً حتى قبل احتساب تكاليف إعادة التغويز ورسوم الدخول إلى شبكة النقل.

 

ويؤكد هذا التطور أن تدفقات الغاز الطبيعي المسال باتت أكثر حساسية للفروق السعرية قصيرة الأجل، في وقت تتنافس فيه أوروبا وآسيا على الإمدادات الفورية، مع استعداد المشترين الآسيويين لدفع علاوات سعرية أعلى لتأمين احتياجاتهم، الأمر الذي يحد من قدرة أوروبا على اجتذاب الشحنات حتى عندما تتحسن مؤشرات التسعير المحلية.

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.