في الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا للترويج للذكاء الاصطناعي باعتباره الثورة الكبرى المقبلة، تتشكل مفارقة لافتة؛ فالفئة التي يُفترض أنها الأكثر حماسًا للتقنيات الحديثة تبدو اليوم الأكثر تشكيكًا فيها.

 

بدلًا من الترحيب بالذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتحسين الحياة والعمل، يزداد بين شباب جيل  زد  شعور بأن هذه التكنولوجيا تهدد مستقبلهم المهني، وتنتقص من قيمة مهاراتهم، وتدفعهم إلى سباق لا ينتهي مع الآلات.

 

وبينما يرى كثير من قادة الأعمال أن التكيف مع الذكاء الاصطناعي أمر لا مفر منه، يرفع الشباب صوتهم اعتراضًا، مؤكدين أن المستقبل لا ينبغي أن يُفرض عليهم باعتباره قدرًا محتومًا.

 

 

موجة جدل

 

جاءت أحدث موجات الجدل، بعدما أعلن المخرج الأمريكي الشهير مارتن سكورسيزي انضمامه إلى شركة "بلاك فورست لابس"  Black Forest Labs المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، موضحًا أنه سيستخدم التقنية في إعداد الرسومات الأولية للمشاهد السينمائية (Storyboarding) خلال المراحل المبكرة من تطوير الأفلام والمسلسلات.

 

لكن الإعلان لم يُستقبل بحماس، بل أثار موجة واسعة من الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العملية الإبداعية يهدد جوهر الفن، وحذر البعض من أنه قد "يفسد السينما" عبر تقليص دور العنصر البشري في صناعة الأفلام.

 

ولم يكن هذا الجدل معزولًا، إذ شهدت جامعات أمريكية عدة خلال حفلات التخرج الأخيرة احتجاجات غير معتادة، بعدما قوبلت كلمات متحدثين أشادوا بالذكاء الاصطناعي بصيحات استهجان من الخريجين.

 

في جامعة سنترال فلوريدا، وصفت المطورة العقارية غلوريا كولفيلد الذكاء الاصطناعي بأنه "الثورة الصناعية المقبلة"، إلا أن طلاب كليات الآداب والعلوم الإنسانية، الذين يواجه كثير منهم ديونًا دراسية ومخاوف بشأن فرص العمل، ردوا عليها بسيل من صيحات الاستهجان.

 

كما تعرض كل من الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل إريك شميدت، والرئيس التنفيذي لشركة "بيغ ماشين ريكوردس"  Big Machine Records سكوت بورشيتا، لمواقف مشابهة خلال حفلات تخرج أخرى بعد إشادتهما بالذكاء الاصطناعي، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الأجيال في النظرة إلى هذه التكنولوجيا.

 

هل الشباب حقًا الأكثر حماسًا للتكنولوجيا؟

 

لطالما ارتبطت الأجيال الشابة بصورة "المتبني الأول" للتقنيات الجديدة، لكن هذا الافتراض بدأ يتعرض للاهتزاز مع انتشار الذكاء الاصطناعي.

 

تشير دراسات حديثة إلى أن أبناء الجيل  زد لا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بالطريقة المتفائلة التي يتصورها كثير من المسؤولين التنفيذيين. فقد أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة "غالوب" أن غالبية أبناء هذا الجيل لا يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يعزز الإبداع أو التفكير النقدي، بل يرون أنه قد يأتي على حساب التعلم الحقيقي واكتساب المهارات.

 

وفي المقابل، كشف استطلاع أجرته "طومسون رويترز عام 2025 أن أكثر الفئات اقتناعًا بدخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئات العمل كانت فئة جيل طفرة المواليد (Baby Boomers)، وهو ما يعكس اختلافًا واضحًا في رؤية كل جيل لهذه التكنولوجيا.

 

 

لماذا يختلف موقف جيل طفرة المواليد؟

 

يرى الباحثون أن الفارق يعود إلى التجارب التاريخية لكل جيل. فأفراد جيل طفرة المواليد عاشوا الانتقال من الآلات الكاتبة والملفات الورقية إلى الحواسيب وبرامج معالجة النصوص، ولذلك ينظر كثير منهم إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره امتدادًا طبيعيًا لمسيرة التطور التكنولوجي التي جعلت العمل أسرع وأسهل.

 

كما يعتقد كثير منهم أن هذه التقنيات توفر الوقت وتزيد الإنتاجية، بل إنها أكثر سهولة في الاستخدام مقارنة بالأدوات التي اضطروا إلى تعلمها في بدايات حياتهم المهنية.

 

ويذهب الكاتب المتخصص في التكنولوجيا جوزايا غوغارتي إلى تفسير آخر، إذ يرى أن كثيرًا من كبار السن يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة للترفيه أيضًا، مستشهدًا بالانتشار الواسع للمحتوى منخفض الجودة الذي يُنتج بالذكاء الاصطناعي على منصات مثل "فيسبوك"، والذي يحظى بتفاعل كبير من المستخدمين الأكبر سنًا.

 

لكن الصورة تبدو مختلفة تمامًا بالنسبة إلى الشباب، الذين لا يرون في الذكاء الاصطناعي مجرد أداة جديدة، بل منافسًا مباشرًا يهدد فرصهم في سوق العمل.

 

"تأقلم أو ارحل".. رسالة لا يقبلها الشباب

 

عندما قوبل سكوت بورشيتا بالاستهجان خلال إحدى حفلات التخرج، رد على الطلاب قائلًا: "تقبلوا الأمر، وافعلوا شيئًا حياله، فالذكاء الاصطناعي مجرد أداة، اجعلوه يعمل لصالحكم."

 

غير أن هذا الخطاب لا يقنع كثيرًا من أبناء جيل زد، لأنهم يرون أنه يتجاهل الفارق الكبير بين الظروف الاقتصادية التي استفادت منها الأجيال السابقة، والواقع الذي يواجهونه اليوم.

 

فالأجيال الأكبر دخلت سوق العمل في فترة كانت الوظائف أكثر استقرارًا، وكانت قيمة العمل البشري أعلى، كما كانت فرص الترقي المهني أوضح وأكثر استدامة.

 

أما اليوم، فيواجه الشباب سوق عمل يتغير بسرعة غير مسبوقة، حيث تتزايد الأتمتة، وتختفي وظائف، وتظهر أخرى، ويُطلب من العاملين إعادة تأهيل مهاراتهم باستمرار لمواكبة التحولات التقنية.

 

ولذلك تبدو نصيحة "تأقلم أو ستتخلف عن الركب" بالنسبة لكثير من الشباب أقرب إلى تجاهل المشكلات البنيوية التي تجعل مستقبلهم أكثر هشاشة مما كان عليه بالنسبة إلى الأجيال السابقة.

 

أزمة تتجاوز الوظائف

 

لا يقتصر القلق على فرص العمل فحسب، بل يمتد إلى شعور أعمق يتعلق بالهوية والقيمة الذاتية. فالكثير من الشباب يشعرون بأنهم مطالبون بالامتثال لنظام اقتصادي وتقني يعمل في الوقت نفسه على تقليص الحاجة إلى المهارات التي يسعون لاكتسابها.

 

وتصف عالمة النفس الاجتماعي شوشانا زوبوف هذا الواقع بأنه نتاج عقود من السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي قوضت إحساس الأفراد بقيمتهم الذاتية وبقدرتهم على تقرير مصيرهم.

 

وتواجه الأجيال الشابة أيضًا تحديًا جديدًا يتمثل في تنامي تأثير الخوارزميات في تشكيل الأذواق والقرارات والخيارات اليومية، بدءًا من المحتوى الذي يشاهدونه، مرورًا بالمنتجات التي يشترونها، وصولًا إلى المعلومات التي يعتمدون عليها.

 

وتشير دراسات إلى أن كثيرًا من المراهقين يعيشون حالة من التناقض؛ فمن جهة يُشجعون على استخدام الذكاء الاصطناعي في الدراسة والعمل، ومن جهة أخرى يعترفون بأن الاعتماد عليه يضعف عملية التعلم ويقلل من قدرتهم على التفكير المستقل.

 

 

هل المستقبل محسوم؟

 

في القرن العشرين، كان لدى الأجيال السابقة مساحة أكبر لاختيار مدى اعتمادها على التكنولوجيا. فلم يكن امتلاك هاتف محمول أو بريد إلكتروني ضرورة للحياة اليومية، كما لم يكن تحديث الأجهزة الإلكترونية أمرًا لا مفر منه.

 

أما اليوم، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي والخوارزميات جزءًا لا يتجزأ من التعليم والعمل والتواصل والخدمات الرقمية، وهو ما يجعل الانسحاب منها أو تجاهلها أكثر صعوبة.

 

ورغم تأكيد رؤساء شركات التكنولوجيا أن هيمنة الذكاء الاصطناعي أمر حتمي، فإن منتقدي هذا الطرح يرون أن الشباب لا يرفضون التكنولوجيا في حد ذاتها، بل يرفضون فرض مسار واحد للمستقبل دون إشراكهم في تحديد شكله.

 

ومن هنا، فإن موجة الاعتراض التي يقودها الجيل Z لا تعكس خوفًا من الابتكار بقدر ما تعبر عن رغبة في استعادة القدرة على التأثير في مستقبلهم، والتأكيد على أن الخيارات لا تزال مفتوحة، وأن مستقبلًا تغمره تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالكامل ليس السيناريو الوحيد الممكن.

 

المصدر: "ذا كونفرزيشن"

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.