أخطاء الشركات .. عندما راهنت زيلو على الذكاء الاصطناعي في تسعير العقارات
كان الأمر يبدو، على الورق، أشبه بمعادلة مثالية: بيانات ضخمة عن المنازل في الولايات المتحدة، وخوارزميات تعلّم آلي طوّرها أفضل علماء البيانات، وشركة تعرف عن سوق الإسكان أكثر مما يعرفه أي وسيط بشري.
هذا ما جعل "زيلو – Zillow" الأمريكية لا تكتفي بنجاحها كمنصة يتصفحها ملايين الباحثين عن منازل، وتجني أرباحها من وكلاء العقارات دون أن تحمل أي مخاطرة مالية حقيقية.

التوسع السريع
حققت زيلو نجاحًا كبيرًا من خلال نموذج أعمالها الأساسي الذي لا يتطلب امتلاك أصول ضخمة، إذ كانت ببساطة منصة رقمية تربط المشترين بوكلاء العقارات وتجني أرباحًا وفيرة دون تحمل مخاطر التملك، غير أن طموح الإدارة لم يتوقف عند هذا الحد.
لذا قررت الشركة في عام 2019، إطلاق خدمة "زيلو أوفرز" التي تتيح لأصحاب المنازل بيع عقاراتهم للشركة مباشرة مقابل النقد، بينما تتولى زيلو أعمال التجديد، ثم تعيد بيع المنازل لتحقيق ربح.
وراهنت "زيلو" على أن هذا النشاط قد يحقق إيرادات سنوية تصل إلى 20 مليار دولار، مع خطة لشراء خمسة آلاف منزل شهريًا بحلول عام 2024، مقتنعة بأن التوسع السريع هو الطريق الوحيد لتحقيق الأرباح في نشاط ذي هوامش ربح محدودة.

التبنؤ بالسوق
استندت "زيلو" إلى قدر هائل من البيانات عن المنازل والأسعار وعمليات البحث العقاري، وطورت خوارزمية تعرف باسم "Zestimate" لتقدير القيمة السوقية للعقارات.
واستخدمت هذه التقديرات أساسًا لتقديم عروض شراء مباشرة لبعض المنازل، إذ كانت الإدارة تعتقد أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحديد السعر المناسب لشراء المنازل، والتنبؤ بسعر إعادة بيعها بعد أشهر.
لكن الشركة أغفلت أن سوق العقارات لا تحكمه البيانات وحدها، فقد أظهرت جائحة "كوفيد-19" تقلبات غير مسبوقة في الأسعار، كما أن هناك عوامل يصعب تحويلها إلى أرقام، مثل جاذبية الحي السكني أو تفضيلات المشترين أو الظروف النفسية والاجتماعية.
وحتى مع انخفاض متوسط خطأ الخوارزمية إلى 1.9%، فإن هذا الهامش كان يعني خسارة تقارب 10 آلاف دولار في منزل تبلغ قيمته نصف مليون دولار، وهي خسائر تضخمت مع آلاف المنازل التي اشترتها الشركة.
وأكد خبراء أن الخوارزميات تستطيع التنبؤ على المدى القصير، لكنها تعجز عن استيعاب الدورات الطويلة والتغيرات المفاجئة في السوق.

الانسحاب المكلف
مع استمرار التقلبات، كانت "زيلو" تشتري منازل بأسعار أعلى من قيمتها الحقيقية، كما واجهت أيضًا صعوبات في تجديدها بسبب نقص العمالة، ومع مرور الوقت، أصبحت الشركة تمتلك آلاف العقارات التي لم تستطع بيعها بالأسعار التي توقعتها خوارزمياتها.
وفي نوفمبر 2021، أعلنت توقف خدمة "زيلو أوفرز" بالكامل، مع تسريح نحو ربع قوتها العاملة، بعدما تكبدت خسائر تجاوزت نصف مليار دولار، واضطرت إلى بيع آلاف المنازل بأقل من أسعار شرائها، ليتراجع سهمها بنحو 25% في يوم واحد.
وأقر الرئيس التنفيذي آنذاك "ريتش بارتون" بأن تقلب أسعار المنازل كان أكبر بكثير مما توقعته الشركة، وأن استمرار التوسع كان سيعني تقلبات أكبر في الأرباح والميزانية، موضحًا: لقد توصلنا إلى أن العمل كمشتر فوري للعقارات ينطوي على مخاطر كبيرة وتقلبات حادة، كما أنه لا يلبي احتياجات سوى عدد قليل جداً من العملاء.
وأشار إلى أن فشل "زيلو" الأساسي يكمن في عجزها عن التنبؤ بدقة بأسعار المساكن، ففي بداية جائحة كوفيد-19، شهد السوق ركودًا حادًا، ثم انتعش بشكل كبير، وارتفعت الأسعار في العديد من الأسواق إلى مستويات قياسية.

قصة "زيلو" ليست دليلًا على فشل الذكاء الاصطناعي بقدر ما هي تذكير بحدوده، فحتى أكثر الخوارزميات تطورًا تستطيع تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، لكنها قد تعجز عن استيعاب التحولات المفاجئة والعوامل الإنسانية التي تصنع قرارات الأسواق.
وفي عالم تتغير فيه الأسعار بفعل الأحداث والظروف النفسية بقدر تأثرها بالبيانات والبيئة الاقتصادية، يبقى الحكم البشري عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه.
المصادر: صحيفة وول ستريت جورنال – الجارديان – شبكة "سي إن إن" – مجلة Inc – ياهو فاينانس
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}