لم تعد أخطر الهجمات على منشآت الطاقة تبدأ بصاروخ أو عبوة ناسفة، بل قد تبدأ بسطر برمجي يكتبه نموذج ذكاء اصطناعي في ثوانٍ معدودة.

 

في الوقت الذي تتسابق فيه شركات الطاقة حول العالم لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين الإنتاج ورفع الكفاءة وخفض التكاليف، تظهر معادلة جديدة أكثر تعقيداً؛ فالتكنولوجيا ذاتها التي تمنح المؤسسات قدرات غير مسبوقة على التطوير، تمنح المهاجمين أيضاً أدوات أكثر ذكاءً وسرعة لاكتشاف الثغرات واستغلالها.

 

 

وبينما كانت فرق الأمن السيبراني تمتلك في السابق أسابيع أو أشهراً للتعامل مع المخاطر، باتت اليوم تواجه تهديدات يمكن أن تتطور خلال دقائق.

 

ويفرض ذلك على قادة قطاع الطاقة إعادة النظر جذرياً في مفهوم الحماية الرقمية، لأن الحفاظ على أمن البنية التحتية لم يعد يعتمد فقط على قوة الجدران الدفاعية، بل على سرعة التكيف مع عصر تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة.

 

تطور متسارع

 

يشهد الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً يعيد تشكيل مشهد الأمن السيبراني للبنية التحتية الحيوية، ولا سيما في قطاع الطاقة الذي يعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الرقمية لإدارة عمليات الإنتاج والنقل والتوزيع.

 

ومع كل قفزة تقنية جديدة، تتزايد المخاوف من قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة على اكتشاف الثغرات البرمجية واستغلالها بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على معالجتها، وهو ما يفرض على شركات الطاقة الاستعداد لمرحلة تختلف جذرياً عن كل ما سبق.

 

وخلال العام الماضي وحده، شهدت قدرات الذكاء الاصطناعي في البرمجة تطوراً كبيراً، إلى درجة دفعت شركة «أنثروبيك» إلى حجب الإصدار الكامل لأحد نماذجها المتقدمة، بالتزامن مع إطلاق جهود لمعالجة الثغرات التي تمكن النموذج من اكتشافها في أنظمة التكنولوجيا المختلفة.

 

وتعكس هذه الخطوة حجم القلق المتزايد من إمكانية استخدام هذه النماذج في تنفيذ هجمات إلكترونية أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا أصبحت متاحة دون قيود أو انتشرت نماذج مفتوحة المصدر تتمتع بالقدرات نفسها ولكن مع رقابة أقل.

 

إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي

 

ورغم تطوير ضوابط للحد من إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في استهداف البنية التحتية الحيوية، فإن مستقبل هذه الضوابط لا يزال غير محسوم، كما لا توجد ضمانات تمنع ظهور أدوات أكثر قوة يمكن أن تستخدم في تنفيذ هجمات واسعة النطاق.

 

ومن ثم، لم تعد شركات الطاقة تملك رفاهية الانتظار، بل يتعين عليها الاستعداد منذ الآن لواقع جديد تصبح فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على اكتشاف واستغلال الثغرات خلال وقت قياسي.

 

ويُعد قطاع الطاقة من أكثر القطاعات عرضة لهذه المخاطر، نظراً لاعتماده على بنية تحتية رقمية معقدة تمتد لسنوات طويلة، وتضم أنظمة تشغيل صناعية يصعب تحديثها باستمرار.

 

كما أن هذا القطاع يتعرض بالفعل لهجمات متكررة، تتراوح بين برمجيات الفدية وعمليات الاختراق المدعومة من دول تسعى إلى التسلل إلى البنية التحتية لمنافسيها أو تعطيلها.

 

مستوى الجاهزية

 

وتكشف المؤشرات أن مستوى الجاهزية لا يزال أقل من المطلوب، إذ يرى أقل من نصف المتخصصين في الأمن السيبراني أن مؤسساتهم تمتلك حماية كافية لبيئات التكنولوجيا التشغيلية.

 

وحتى في الأسواق المتقدمة، ظهرت حالات لشركات طاقة اكتشفت بعد فترات طويلة أن أنظمتها كانت مخترقة دون علمها، وهو ما يبرز حجم الفجوة بين سرعة المهاجمين وقدرة المؤسسات على الرصد والاستجابة.

 

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن كثيراً من شركات الكهرباء، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تعمل بميزانيات محدودة، بينما تواجه تهديدات تنفذها مجموعات تمتلك إمكانات تضاهي إمكانات الدول.

 

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المشهد، قد تتسع الفجوة أكثر، إذ يصبح بإمكان المهاجمين اكتشاف الثغرات واستغلالها بسرعة غير مسبوقة، في وقت لا تزال فيه عمليات الدفاع التقليدية تعتمد على إجراءات تستغرق أياماً أو أسابيع.

 

 

فرق الأمن التشغيلي

 

وتشير التقديرات إلى أن فرق الأمن التشغيلي قد تحتاج لأكثر من شهر لاكتشاف اختراق إلكتروني، بينما قد يمتد التعافي الكامل من الهجوم إلى أكثر من سبعة أشهر. وفي المقابل، يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تحليل الأنظمة واكتشاف ثغرات جديدة واستغلالها خلال نحو 15 دقيقة فقط، وهو فارق زمني يغير قواعد اللعبة بالكامل ويجعل سرعة الاستجابة عاملاً حاسماً في تقليل الخسائر.

 

ومن هذا المنطلق، يتعين على مشغلي البنية التحتية للطاقة التعامل مع واقع جديد يقوم على افتراض أن بعض الثغرات ستظل موجودة في الأنظمة، وأن الذكاء الاصطناعي سيواصل البحث عنها بشكل مستمر.

 

وفي الوقت ذاته، تتصاعد الهجمات التي تعتمد على التصيد الإلكتروني والتصيد الصوتي والهندسة الاجتماعية، مستفيدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في انتحال الشخصيات وإقناع الموظفين بالكشف عن بيانات الدخول أو تنفيذ أوامر تبدو مشروعة.

 

استراتيجيات دفاعية

 

ولم يعد هذا السيناريو احتمالاً مستقبلياً، بل أصبح واقعاً تواجهه المؤسسات حالياً، ما يفرض تبني استراتيجيات دفاعية أكثر صلابة، تشمل تطبيق مبدأ الدفاع متعدد الطبقات، وتقسيم الشبكات، ومنح المستخدمين أقل مستوى ممكن من الصلاحيات اللازمة لأداء أعمالهم، بهدف الحد من انتشار أي اختراق داخل الشبكات التشغيلية.

 

في المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل أيضاً لصالح المدافعين، إذ تستطيع الشركات المطورة للبرمجيات استخدامه لتسريع اكتشاف العيوب وإنتاج التحديثات الأمنية بوتيرة أكبر.

 

لكن قيمة هذه التحديثات تبقى محدودة إذا لم يتم تثبيتها بسرعة داخل المؤسسات، وهو ما يجعل مسؤولية رؤساء أمن المعلومات تتركز على تقليص الزمن بين إصدار التصحيح الأمني وتطبيقه فعلياً.

 

كما أن إجراءات الصيانة الأمنية الدورية، مثل مراجعة إعدادات الأنظمة والتأكد من سلامة التكوينات الأمنية، لن تعود كافية إذا نُفذت وفق الجداول التقليدية، بل ستحتاج إلى وتيرة أسرع وأكثر انتظاماً.

 

ويؤكد هذا الاتجاه قرار شركة «أبل» تعديل فلسفتها المعتادة في إصدار التحديثات الأمنية، بعدما أشارت إلى أن الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي يفرض تسريع عمليات إصدار التصحيحات الأمنية.

 

 

إيقاف الإصدرات القديمة

 

ومن المتوقع أيضاً أن تواجه شركات الطاقة تحدياً إضافياً يتمثل في تسارع إيقاف دعم الإصدارات القديمة من البرمجيات. فعندما تبدأ أدوات الذكاء الاصطناعي في استغلال الثغرات على نطاق واسع، ستوجه الشركات المطورة معظم مواردها نحو تأمين الإصدارات الحديثة، ما يعني أن الأنظمة القديمة ستصبح أكثر عرضة للهجمات مع مرور الوقت.

 

غير أن تحديث جميع الأنظمة دفعة واحدة ليس خياراً عملياً بالنسبة لمعظم المؤسسات، سواء بسبب التكلفة أو متطلبات التشغيل. لذلك سيكون على مسؤولي الأمن السيبراني تحديد الأنظمة الأكثر أهمية لتحديثها أولاً، مع إحاطة الأنظمة القديمة التي يصعب استبدالها بإجراءات تعويضية، مثل تعزيز حماية الأصول الرقمية، واستخدام قوائم السماح، والجدران النارية، وحلول العزل بين الشبكات.

 

بناء رؤية شاملة

 

ويكتسب بناء رؤية شاملة لجميع مكونات بيئات التكنولوجيا التشغيلية أهمية متزايدة، إذ يساعد تتبع الأنشطة غير الطبيعية عبر الأنظمة الرقمية والمعدات الميدانية على اكتشاف الهجمات في مراحلها المبكرة وفهم كيفية تطورها وتحديد اللحظة المناسبة للتدخل.

 

كما يمنح الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارة معلومات أكثر دقة عند اتخاذ القرارات خلال الأزمات، بل يمكن أن يساعد لاحقاً في التحقق مما إذا كانت الثغرات المكتشفة حديثاً قد استُغلت سابقاً داخل الشبكات.

 

وتتجه العديد من الأسواق، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة وعدد من دول الشرق الأوسط، إلى تشديد اللوائح المنظمة للأمن السيبراني، عبر إلزام مشغلي البنية التحتية الحيوية بتوفير قدرات متقدمة للمراقبة والرصد المستمر، بما يعزز سرعة اكتشاف الحوادث والحد من آثارها.

 

وفي هذا السياق، يبرز الاعتماد على الأتمتة باعتباره أحد أهم الحلول لمواكبة الإيقاع السريع للتهديدات الجديدة. فالأنظمة المؤتمتة أصبحت قادرة على تنفيذ المهام الروتينية، واكتشاف الثغرات، والاستجابة الأولية للحوادث بسرعة تفوق التدخل البشري. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ستزداد المهام التي يمكن تنفيذها آلياً بكفاءة، مع بقاء العنصر البشري مسؤولاً عن القرارات المعقدة والإشراف الاستراتيجي.

 

 

سجلات الأصول الرقمية

 

وتشمل أبرز المجالات القابلة للأتمتة إدارة سجلات الأصول الرقمية، ورصد الثغرات الأمنية، ومراقبة الشبكات، وتحليل السلوك غير الطبيعي، ما يساعد على تقليل الإنذارات الكاذبة وتوجيه خبراء الأمن نحو التهديدات الحقيقية.

 

كما أن الاحتفاظ بنسخ احتياطية آمنة ومحدثة للأنظمة الحيوية يسهم في تقليص زمن التعافي وتقليل الخسائر في حال نجاح أي هجوم إلكتروني.

 

وفي المدى البعيد، سيكون على مسؤولي الأمن السيبراني الموازنة بين المكاسب التي تحققها الأتمتة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي من حيث رفع الإنتاجية وتحسين الحماية، وبين المخاطر التي قد تنشأ عن زيادة تعقيد الأنظمة واعتمادها على تقنيات جديدة.

 

بيد أن الرسالة الأهم لقادة قطاع الطاقة تبقى واضحة؛ فالتردد في مواكبة التحولات الرقمية لم يعد خياراً آمناً، لأن تجاهل التطورات لا يعني الحفاظ على الوضع القائم، بل يعني تراكم أنظمة قديمة وثغرات غير معالجة يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف تهدد استقرار المؤسسة، بل وسلامة قطاع الطاقة بأكمله.

 

المصدر: "المنتدى الاقتصادي العالمي"

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.