بعد مادورو .. هل انتعش إنتاج النفط في فنزويلا؟
بعد سنوات من الانهيار، بدأ النفط الفنزويلي يتدفق مجددًا بمعدلات أعلى، فيما تراهن إدارة الرئيس "دونالد ترامب" على أن فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية يمكن أن يعيد تشغيل واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم.
لكن حجم الإنتاج، رغم تحسنه، لا يشير إلى عودة وشيكة لفنزويلا إلى مكانتها السابقة، فالإنتاج الذي تجاوز مليون برميل يوميًا لا يزال بعيدًا عن مستوياته التاريخية، بينما تقف أمام أي قفزة شبكة متهالكة من الحقول وخطوط الأنابيب والمصافي، إلى جانب الحاجة إلى عشرات المليارات من الدولارات وبيئة استثمارية أكثر استقرارًا.

إنتاج يستعيد بعض عافيته
في أواخر عام 2018، بدأ الانهيار الحاد لصناعة النفط الفنزويلية، عندما أدى انخفاض أسعار الخام وتشديد العقوبات الأمريكية إلى تعميق مشكلات قطاع كان يعاني أصلًا من سوء الإدارة ونقص الاستثمار.
وبحلول يوليو 2020، هبط الإنتاج إلى 392 ألف برميل يوميًا، وهو مستوى لا يقارن بالرقم القياسي البالغ 3.75 مليون برميل يوميًا الذي سجلته البلاد عام 1970.
أما منذ بداية هذا العام وبعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا التي أطاحت بالرئيس "نيكولاس مادورو"، فقد تغير الاتجاه، وتراوح الإنتاج الشهري من الخام بين 900 ألف و1.1 مليون برميل يوميًا، فيما بلغ 1.187 مليون برميل يوميًا في يونيو، بزيادة 17.6% على أساس سنوي، وفق بيانات "أوبك" من مصادر ثانوية.
لكن الوصول بإنتاج للنفط الخام إلى 3 ملايين برميل يوميًا، وهو مستوى يظل أقل من مستويات فنزويلا التاريخية، يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل، وتقدر "ريستاد إنرجي" أن بلوغ هذا المستوى قد يتطلب 16 عامًا واستثمارات بقيمة 185 مليار دولار.
|
إنتاج فنزويلا الشهري من النفط الخام |
|
|
الفترة الزمنية |
حجم الإنتاج (مليون برميل يوميًا) |
|
يونيو 2026 |
1.187 |
|
مايو 2026 |
1.179 |
|
أبريل 2026 |
1.136 |
وكانت السوق الأمريكية أبرز المستفيدين من بداية الانتعاش، إذ قفزت وارداتها من النفط الفنزويلي إلى 471 ألف برميل يوميًا في مايو، بزيادة تقارب أربعة أمثال مستويات العام السابق، وهي أعلى كمية تستوردها الولايات المتحدة من البلاد منذ يناير 2019.
|
واردات الولايات المتحدة من الخام الفنزويلي |
|
|
الفترة الزمنية |
حجم الواردات (ألف برميل يوميًا) |
|
مايو 2026 |
471 |
|
أبريل 2026 |
429 |
|
مارس 2026 |
373 |
|
فبراير 2026 |
231 |
|
يناير 2026 |
200 |
|
ديسمبر 2025 |
137 |
|
نوفمبر 2025 |
139 |
|
أكتوبر 2025 |
135 |
|
سبتمبر 2025 |
102 |
|
أغسطس 2025 |
39 |
|
يوليو 2025 |
6 |
الشركات تبحث عن ضمانات
لكن ارتفاع الإنتاج والصادرات لا يعني أن الاستثمار عاد بالوتيرة نفسها، فعلى الرغم من مرور ما يقارب ثمانية أشهر على توقعات "ترامب" بأن الشركات الأمريكية ستعيد بناء قطاع النفط الفنزويلي المتهالك وتزيد إنتاجه، لم تُبرم اتفاقيات نفطية جديدة مع الشركات الأمريكية هناك.
وتدرك الشركات أن زيادة الإنتاج بصورة مستدامة تتطلب أكثر من تخفيف العقوبات، فهي تحتاج إلى بنية تحتية قابلة للعمل، وإطار قانوني مستقر، وضمانات لحماية استثمارات بمليارات الدولارات.
لذلك تقف صناعة النفط الفنزويلية اليوم أمام مفترق طرق، فمن ناحية، تبدو شركات النفط العالمية الكبرى أكثر حذرًا، إذ أعلنت بعضها عدم رغبتها في العودة للبلاد في ظل حالة عدم اليقين، ومن ناحية أخرى، تبدو شركات أصغر أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر والدخول إلى السوق.
حتى "شيفرون"، إحدى الشركات القليلة التي لا تزال تعمل في فنزويلا، تعتمد في زيادة استثماراتها على التدفقات النقدية الناتجة عن عملياتها القائمة في البلاد، ما يحد من قدرتها على رفع الإنتاج بسرعة.

مصاف متهالكة
تمتلك فنزويلا، أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، ما يؤهلها لتصبح منتجًا نفطيًا رئيسيًا، لكن الاحتياطيات وحدها لا تكفي لاستعادة مكانة البلاد في سوق النفط.
على مدى عقود، تراجعت الاستثمارات وتدهورت المنشآت النفطية، حتى أصبحت إعادة بناء القطاع أكثر تعقيدًا من مجرد استئناف عمليات الحفر، وتشمل المشكلة الحقول وخطوط الأنابيب والمنشآت الإنتاجية، لكنها تظهر بصورة أوضح في قطاع التكرير.
ويُعد مركز باراغوانا للتكرير في غرب فنزويلا، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 955 ألف برميل يوميًا، أحد أبرز الأمثلة على ذلك، فقد تحول المجمع، الذي كان رمزًا لقدرة البلاد على تحويل احتياطياتها النفطية إلى وقود وعائدات تصدير، إلى منشأة تعمل بجزء ضئيل من طاقتها بعد سنوات من نقص الاستثمار وأعطال المعدات ونقص الإمدادات.
وتشير التقديرات إلى أن استعادة طاقة التكرير بالكامل قد تتطلب ما لا يقل عن 20 مليار دولار.

وبالتالي، فإن أكبر مشكلة تواجه قطاع النفط الفنزويلي هي صعوبة تحويل احتياطياتها الهائلة إلى إنتاج مستدام، فالخام الفنزويلي ثقيل ولزج، ويحتاج إلى مصاف متخصصة لمعالجته، وهي ميزة تصب في مصلحة بعض المصافي الأمريكية على ساحل خليج المكسيك المصممة أصلًا لمعالجة هذا النوع من الخام.
لذلك، يبدو التعافي الحالي حقيقيًا، لكنه لا يزال في مراحله الأولى، وقد تنجح فنزويلا في رفع الإنتاج خلال السنوات المقبلة، إلا أن استعادة مكانتها كقوة نفطية كبرى ستتوقف على قدرتها على جذب رأس المال، واستعادة الخبرات، وإصلاح البنية التحتية، والأهم، توفير بيئة قانونية وسياسية تستطيع شركات النفط الكبرى الوثوق بها.
فالنفط الفنزويلي لم يعد إلى عصره الذهبي بعد، وما يحدث الآن هو بداية عملية طويلة لإعادة بناء صناعة دمرتها سنوات من الإهمال ونقص الاستثمار.
المصادر: أرقام - تقرير "أوبك" عن شهر يونيو – إدارة معلومات الطاقة الأمريكية – أويل برايس – رويترز – الجارديان
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}