"يجب دومًا الانتباه عند التعامل معها، فهي ترفع المعنويات في أوقات الرخاء، ولكن عند وقوع الأزمة، تكتشف أنك كنت تبني قلاعًا من الرمال فوق مياه متحركة". هكذا وصف المستثمر الأمريكي الراحل "تشارلي مونجر" الأصول غير الملموسة للشركات، مثل الشهرة والبراءات العلمية وغيرها.

 

فالأصول غير الملموسة مثل العلامات التجارية الشائعة، وبراءات الاختراع، وشبكات التوزيع، وبند الشهرة أصبحت تُشكل نسبة كبرى من الميزانيات العمومية لكثير من الشركات المدرجة في البورصة.

 

 

تضخم الأصول غير الملموسة

 

غير أن تضخم هذه الأصول الدقيقة يحولها أحيانًا إلى فخ حقيقي للمتداولين الذين يعتمدون على التقييمات الظاهرية دون التدقيق في الأصول الصلبة الملموسة والتدفقات النقدية الفعلية.

 

كما أن الخطورة الأساسية في بند الشهرة تكمن في أنه لا يُستهلك دوريًا كالأصول المادية الملموسة مثل المباني والآلات، بل يظل مسجلاً في الميزانية دون أن يخضع لانخفاض القيمة لأن التغيرات عليه قد لا تكون ملموسة.

لذا ففي كثير من الأوقات يمنح التفاؤل بالسوق الأصول غير الملموسة قيمًا مبالغ فيها في أوقات الصعود، فإن مواجهة الواقع التشغيلي هي المحك الفعلي الذي يكشف جودتها.

 

وتُجسّد تجربة عملاق الأغذية "كرافت هاينز" (Kraft Heinz) النموذج الأوضح لكيفية تبخر القيمة الدفترية للأصول غير الملموسة والشهرة عندما تتغير الظروف التشغيلية في الأسواق.

 

ففي عام 2015، تمت واحدة من أكبر صفقات الاندماج في القطاع بين شركتي "كرافت" و"هاينز" بدعم واستثمار مباشر من مستثمرين بارزين مثل "وارن بافيت" عبر مجموعته "بركشاير هاثاواي".

 

ونتيجة لهذه الصفقة الضخمة، تم تقييم الشهرة والعلامات التجارية التاريخية بأرقام قياسية، لتسجل الشركة أصولًا غير ملموسة وشهرة بلغت عشرات المليارات من الدولارات في ميزانيتها العمومية، معتمدة على أن الاسم الشهير كفيل بتحقيق أرباح مستدامة.

 

ولكن مع تحول اتجاهات المستهلكين نحو المنتجات الطازجة، والتي أصبحت صيحة وقتها على وسائل التواصل الاجتماعي، واشتداد المنافسة السعرية مع العلامات التجارية الخاصة بالمتاجر الكبرى، بدأت القوة التسعيرية للعلامات التابعة للشركة في التآكل، وعجزت عن توليد التدفقات النقدية التي بُني عليها التقييم المرتفع.

 

وفي فبراير 2019، أي بعد 4 سنوات على الصفقة التي وصفت وقتها بـ"المفصلية"، أعلنت الشركة عن شطب غير نقدي بقيمة 15.4 مليار دولار من قيمة علاماتها التجارية وشهرتها، وكان أبرزها علامتا "كرافت" و"أوسكار مايرز"، مما تسبب في تسجيل خسارة صافية قدرها 12.61 مليار دولار خلال الربع الرابع من ذلك العام.

 

وانعكس هذا الإعلان مباشرة على أداء السهم في البورصة، حيث تراجع سعر سهم "كرافت هاينز" بنسبة تجاوزت 27% في جلسة واحدة  يوم 22 فبراير 2019، ليتكبد المتداولون والمستثمرون الذين وثقوا بالتقييم القائم على شهرة العلامات التجارية خسائر كبيرة.

 

واضطر "بافيت" نفسه إلى الاعتراف علنًا بأنه دفع ثمنًا باهظًا للغاية لقاء الشهرة والأصول غير الملموسة في تلك الصفقة.

 

 

"تيلادوك" واستحواذ "ليفونغو"

 

كما تقدم تجربة شركة الرعاية الصحية الرقمية "تيلادوك" درسًا في كيفية تسبب المبالغة في تقييم الشهرة خلال أوقات التفاؤل المفرط في أزمات مالية لاحقة تنعكس على أسهم الشركة.

 

فخلال أوج جائحة كورونا في عام 2020، واستجابة للإقبال المرتفع على خدمات الاستشارات الطبية عبر الإنترنت، أقدمت "تيلادوك" على الاستحواذ على شركة "ليفونغو" (Livongo) لإدارة الأمراض المزمنة في صفقة ضخمة بلغت قيمتها نحو 18.5 مليار دولار.

 

ونظرًا لأن الأصول المادية الملموسة لشركة "ليفونغو" كانت ضئيلة جدًا مقارنة بالقيمة الإجمالية للصفقة، سجلت "تيلادوك" معظم قيمة الشراء في دفاترها تحت بند "الشهرة" وأصول غير ملموسة.

 

ومع انحسار أزمة الجائحة وعودة الحياة إلى طبيعتها، تباطأ معدل نمو الشركة بشكل حاد، واكتشف المستثمرون أن الفرضيات التشغيلية التي بُني عليها تقييم الشهرة الضخم لم تعد قائمة في الواقع العملي.

 

وفي الربع الأول من عام 2022، اضطرت "تيلادوك" إلى إعلان خفض بقيمة الشهرة بلغ 6.6 مليار دولار، يعود بالكامل تقريبًا إلى إعادة تقييم صفقة "ليفونغو"، قبل أن تتبعه بشطب إضافي في الربع الثاني ليصل إجمالي شطب الشهرة خلال العام إلى أكثر من 9.6 مليار دولار.

 

وأدى هذا الشطب المحاسبي الضخم إلى تسجيل صافي خسائر سنوية تجاوزت 13.6 مليار دولار لعام 2022.

وانعكس ذلك بانهيار حاد في حركة السهم في البورصة؛ إذ هوى السهم من أعلى مستوياته التاريخية قرب 294 دولارًا للسهم ليتراجع تحت مستوى 25 دولارًا في أقل من عام، ليخسر المتداولون الذين جذبهم الاسم الشهير أكثر من 90% من رؤوس أموالهم.

 

 

"جنرال إلكتريك" ورهان "ألستوم" الفاشل

 

كما تُقدّم تجربة العملاق الصناعي "جنرال إلكتريك" درسًا آخر في كيفية تسبب صفقات الاستحواذ الضخمة المبنية على المبالغة في تقييم الشهرة في إحداث أزمة للشركة تسببت في خسائر كبيرة لها وللمستثمرين.

 

ففي عام 2015، أتمت الشركة استحواذها على قطاع الطاقة والشبكات بشركة "ألستوم" (Alstom) الفرنسية في صفقة بلغت قيمتها نحو 10.6 مليار دولار.

 

ونظرًا لارتفاع قيمة التقييم مقابل الأصول المادية، أضافت الشركة بند شهرة ضخمًا تجاوز 15.8 مليار دولار في دفاتر قطاع الطاقة التابع لها، بناءً على توقعات متفائلة باستمرار الطلب المرتفع على توربينات الغاز والوقود الأحفوري.

 

ولكن الواقع التشغيلي اصطدم بالهبوط النسبي في أسعار النفط والغاز، فضلًا عن تبني بعض الدول الكبيرة، وأبرزها ألمانيا، استراتيجية للتحول للطاقة النظيفة، مما أدى إلى تراجع خطير في طلبات الشراء وانخفاض حاد في التدفقات النقدية المتوقعة للقطاع.

 

وفي أكتوبر 2018، اضطرت "جنرال إلكتريك" إلى الإفصاح عن شطب محاسبي غير نقدي لبند الشهرة في قطاع الطاقة بقيمة بلغت 22 مليار دولار -وهو رقم يتجاوز ضعفي قيمة صفقة الشراء الأصلية-، ممّا دفع الشركة لتسجيل خسارة فصلية قياسية بلغت 22.8 مليار دولار.

 

ولم يتوقف تأثير هذا الشطب عند حدود الدفاتر، بل اضطرت الشركة إلى تخفيض توزيعات الأرباح الفصلية التاريخية من 12 سنتًا إلى سنت واحد فقط للسهم لتوفير السيولة.

 

وتسبب هذا في انهيار سعر السهم بنسبة تجاوزت 75% خلال عامي 2017 و2018، وفقد المستثمرون عشرات المليارات من ثرواتهم بشكل صادم لكثير منهم، نظرًا لأن سهم الشركة يعتبر سهمًا دفاعيًا لشركة صناعية مستقرة، وليس لشركة تكنولوجية متقلبة لذا فانخفاضه بهذه النسبة يعد أمراً استثنائياً وخارج حسابات أي مستثمر.

 

 

تجنب فخ الأصول غير الملموسة

 

لتفادي الوقوع في فخ التقييمات المتضخمة الناتجة عن الشهرة والأصول غير الملموسة، يرتكز التحليل المالي الاحترافي على مجموعة من المقاييس والأدوات التي تعزل الأرقام الورقية عن الأصول الحقيقية الملموسة للشركة.

 

يأتي في مقدمة هذه الأدوات مؤشر القيمة الدفترية الملموسة لكل سهم، والذي يُحسب بطرح إجمالي الأصول غير الملموسة وبند الشهرة من إجمالي حقوق الملكية، ثم قسمة الناتج على عدد الأسهم القائمة.

 

ويعكس هذا المقياس القيمة الصافية الحقيقية التي يحصل عليها المساهم في حال تصفية أصول الشركة الصلبة اليوم، وهو ما يوضح القاع السعري الذي يحمي السهم أثناء الأزمات.

 

كما يتكامل هذا التحليل مع مؤشر نسبة الشهرة إلى حقوق المساهمين، والذي يُحسب بقسمة بند الشهرة على إجمالي حقوق الملكية.

 

وعندما تتجاوز هذه النسبة مستويات 20% إلى 30%، فإنها توفر إشارة تحذير صريحة للمتداولين بأن القيمة الدفترية للشركة معرضة لهبوط حاد ومباغت في حال اضطرار الإدارة إلى شطب أي جزء من هذه الشهرة مستقبلاً.

 

بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم مقياس العائد على الأصول الملموسة، والذي يُحسب بقسمة الأرباح التشغيلية على الأصول الملموسة فقط بعد استبعاد الشهرة والأصول المعنوية.

 

ويوضح هذا المقياس الكفاءة الحقيقية لمصانع الشركة وآلاتها وسيولتها النقدية في توليد أرباح فعلية، بعيدًا عن أرقام التقييمات الناتجة عن عمليات الاندماج والاستحواذ.

 

وهذه المؤشرات فقط التي ستمنح المستثمر صورة حقيقية عن حال الشركة خارج أوقات التفاؤل التي تتزايد فيها قيمة الأصول غير الملموسة، إذ إن الأخيرة قد تمنح أسهم الشركات صعودًا سريعًا في أوقات التفاؤل والسيولة المرتفعة، إلا أنها أول ما يتبخر عند مواجهة الضغوط التشغيلية.

 

المصادر: أرقام - مورنج ستار - ياهو فاينانس - ديلويت - سي.إن.إن - سي. إن. بي. سي - وول ستريت جورنال

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.