هل خزنتم ما يكفي من النحاس؟
في عام بدا فيه الذهب المرشح الطبيعي لتصدر سوق المعادن، فاجأ النحاس المستثمرين بأداء أفضل، إذ يواصل المعدن الأحمر صعوده بينما يفقد المعدن الأصفر جزءًا من بريقه بعد سلسلة من المستويات القياسية.
لكن المفارقة أن ارتفاع النحاس هذه المرة لا يعكس بالضرورة قوة الاقتصاد العالمي، بقدر ما يكشف عن سباق بين طلب يتزايد سريعًا وإمدادات تجد صعوبة في اللحاق به.

دكتور كوبر
واصلت أسعار النحاس ارتفاعها هذا العام قرب أعلى مستوياتها على الإطلاق البالغ 14.527 ألف دولار للطن المتري في بورصة لندن للمعادن، والمسجل في أواخر يناير، نتيجة لعدة عوامل منها زيادة الطلب في الولايات المتحدة والصين على هذا المعدن الذي لا غنى عنه في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
يُشار إلى النحاس عادة بمصطلح "دكتور كوبر- DR.Copper" باعتباره مؤشراً مبكراً على اتجاه الاقتصاد العالمي، نظرًا لاستخداماته الواسعة في قطاعات البناء والصناعة والإلكترونيات، ويعني تراجع الطلب عليه، في الأغلب، تباطؤ النشاط الصناعي، بينما يشير ارتفاعه إلى توسع الاستثمار والإنتاج.
لكن ارتفاع النحاس هذه المرة لا يمكن تفسيره بهذه الطريقة وحدها، إذ تتداخل معه عوامل تتعلق بمحدودية المعروض والطلب الهيكلي المرتبط بالكهرباء والذكاء الاصطناعي، لذا ينبغي النظر إلى المعدن جنبًا إلى جنب مع مؤشرات أخرى لضمان الحصول على رؤى دقيقة لوضع الاقتصاد.

هل النحاس أفضل من الذهب؟
منذ بداية العام وحتى الآن، ارتفعت أسعار النحاس في بورصة نيويورك بنحو 17.52%، مقابل زيادة لا تتجاوز 3.35% للذهب، وفي بورصة لندن للمعادن، تقترب أسعار المعدن الأحمر من مستوياتها القياسية فوق 14 ألف دولار للطن المتري.
يرى فريق أبحاث السلع لدى بنك "بانمور ليبروم"، في تقرير حمل عنوان "النحاس.. أفضل من الذهب"، أن المعدن الأحمر أصبح أكثر جاذبية للمستثمرين.
لكن بشكل عام، يختلف المحرك الرئيسي لكل من المعدنين، فالذهب يستفيد بصورة أكبر من دوره كأداة للتحوط من التضخم وعدم اليقين وتوقعات الفائدة والدولار، بينما يتلقى النحاس دعمًا من الطلب الصناعي والاستثمارات طويلة الأجل في الكهرباء والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
ولذلك، فإن تفوق النحاس هذا العام لا يعني بالضرورة أن المستثمرين تخلوا عن الذهب، بقدر ما يعكس اختلاف دوافع الصعود في كل سوق.

عوامل داعمة
لا تحتاج طفرة الذكاء الاصطناعي إلى خوادم ومراكز بيانات فقط، وإنما شبكات كهربائية، والنحاس يقع في قلب هذه المنظومة بفضل قدرته العالية على توصيل الكهرباء ومقاومة التآكل.
وتتطلب المركبات الكهربائية بدورها نحو ثلاثة إلى أربعة أمثال كمية النحاس المستخدمة في السيارات التقليدية العاملة بالبنزين، في حين، أقبل مستثمرون أمريكيون على شراء النحاس تحسبًا لفرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية جديدة على الواردات منه.
بينما ساهمت اضطرابات الإمدادات وحظر تصدير مركزات النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تنتج نحو 14% من النحاس العالمي، في زيادة المخاوف بشأن المعروض.
وتسببت العواصف والثلوج والأمطار الغزيرة في تعطيل عمليات التعدين في تشيلي، وهي أكبر منتج منفرد للنحاس في العالم، خلال يوليو في وقت تعاني فيه السوق أصلًا من اضطرابات في الإمدادات.
|
أكبر الدول المنتجة للنحاس في العالم |
|
|
الدولة |
حجم الإنتاج في 2024 |
|
تشيلي |
5.3 |
|
الكونغو |
3.3 |
|
بيرو |
2.6 |
|
الصين |
1.8 |
|
الولايات المتحدة |
1.1 |
|
إندونيسيا |
1.1 |
|
روسيا |
0.9 |
هل يمكن زيادة المعروض؟
على الجانب الآخر من المعادلة، تواجه صناعة النحاس مشكلة أكثر عمقًا: زيادة الإنتاج ليست مهمة يمكن إنجازها في وقت قصير، فالعالم يواجه تحديًا هيكليًا في استخراج المزيد من النحاس، مع انخفاض تركيز خامات المعدن، إذ تراجع متوسط تركيز النحاس في المناجم العالمية بنحو 40% منذ عام 1991.
وفي الوقت نفسه، أصبحت المشاريع أكثر تكلفة وتعقيدًا، إذ تشير التقديرات إلى أن مشروعات تعدين النحاس الجديدة قد تستغرق نحو 17 عامًا من مرحلة الاكتشاف حتى الوصول إلى الإنتاج.
وتظهر الضغوط في السوق بوضوح في الصين، التي تهيمن على نحو 60% من استهلاك النحاس العالمي، ففي نهاية يوليو، بلغت مخزونات النحاس في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة نحو 69 ألف طن، وهو أدنى مستوى لها منذ نحو عامين ونصف.
لذلك، فإن استمر الطلب في الارتفاع بالسرعة الحالية، بينما ظلت المناجم الجديدة تحتاج إلى أكثر من عقد للوصول إلى الإنتاج، فقد تصبح ندرة النحاس مشكلة هيكلية وليس مجرد أزمة مؤقتة في الإمدادات.
وتقدر "إس أند بي جلوبال" أن فجوة المعروض قد تصل إلى نحو 10 ملايين طن بحلول 2040، ما لم يحدث توسع كبير في الإنتاج.

لذلك، فإن ارتفاع سعر النحاس لم يعد يعني ببساطة أن المصانع تستعد لإنتاج المزيد أو أن الاقتصاد العالمي مقبل على دورة نمو قوية، بل قد يعكس فجوة متزايدة بين احتياجات الاقتصاد وقدرة المناجم على توفير المعدن.
ويبقى السؤال: هل تستطيع المناجم اللحاق بعصر الذكاء الاصطناعي والكهرباء قبل أن تتحول ندرة المعدن إلى قيد حقيقي على النمو؟
المصادر: ماركت ووتش – سي إن بي سي – وكالة الطاقة الدولية – إنفستوبيديا – هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية – فيجوال كابيتالست- جيه بي مورجان
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}