دون 300 مليون برميل .. إلى أي مدى يمكن السحب من احتياطي النفط الأمريكي؟
على مدار عقود طويلة، ظل احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي يمثل خط دفاع محوريًا أمام أزمات الطاقة، ومخزونًا ضخمًا تلجأ إليه واشنطن عندما تتعرض إمدادات النفط العالمية لصدمة مفاجئة، لكن هذا الخط الدفاعي يقترب الآن من منطقة غير معتادة، فقد هبط المخزون إلى أقل من 300 مليون برميل للمرة الأولى منذ أكثر من 40 عامًا.
ولا تكمن المفارقة في حجم النفط المتبقي فحسب، بل إن تكرار عمليات السحب يضع الاحتياطي أمام اختبار مزدوج: كم برميلًا يمكن إخراجه من الكهوف؟ وكم مرة تستطيع هذه المنظومة القديمة تكرار العملية قبل أن تبدأ قيود البنية التحتية والكهوف الملحية نفسها في الحد من قدرتها على الاستجابة؟

تراجع الاحتياطي تحت ضغط الأزمات
صُمم الاحتياطي، الذي أنشئ عام 1975، لتحمل خمس عمليات سحب كاملة خلال عمره الافتراضي، لكنه خضع لعشرات دورات السحب خلال العقود الماضية.
قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران أواخر فبراير، كان الاحتياطي البترولي الاستراتيجي يضم نحو 415 مليون برميل، مقابل سعة تخزينية مُصرح بها تبلغ 714 مليون برميل.
لكن مع تصاعد الضغوط على سوق النفط العالمية نتيجة الصراع، تراجع المخزون إلى 298.7 مليون برميل، وفق البيانات الرسمية الصادرة الأسبوع الماضي، ليهبط إلى ما دون 300 مليون برميل للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة عقود.
وكان الرئيس "دونالد ترامب" قد أمر في مارس بالإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي، في إطار جهود منسقة لمعالجة نقص الإمدادات الناجم عن اضطراب صادرات النفط عبر مضيق هرمز، ومن المقرر أن ينخفض المخزون إلى نحو 243 مليون برميل عند اكتمال عملية السحب.
ويأتي ذلك بعدما لجأ الرئيس السابق "جو بايدن" إلى الاحتياطي لسحب 180 مليون برميل بدءًا من أوائل عام 2022، استجابةً لصدمات أسعار النفط التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا، في أكبر عملية سحب منفردة في تاريخ الاحتياطي.
|
البيانات الأسبوعية لاحتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي |
|
|
الأسبوع المنتهي في |
الاحتياطي الاستراتيجي |
|
1 مايو 2026 |
392.700 |
|
5 يونيو 2026 |
349.192 |
|
3 يوليو 2026 |
319.489 |
|
7 أغسطس 2026 |
298.694 |
أين يخزن النفط؟
يُخزن النفط الخام في 60 كهفًا ملحيًا على عمق آلاف الأقدام تحت سطح الأرض، موزعة على أربعة مواقع في ولايتي تكساس ولويزيانا.
ولاستخراج الخام، تُضخ المياه العذبة إلى قاع الكهف لدفع النفط نحو مداخل الآبار، ثم يُنقل عبر خطوط الأنابيب إلى المصافي.
وتتيح هذه الطريقة تخزين كميات ضخمة من النفط وإخراجها بسرعة عند الحاجة، لكن تكرار عمليات السحب وإعادة التعبئة يفرض تحديات تشغيلية، خصوصًا مع تقادم المنشآت.

البنية التحتية تحت الاختبار
حذر مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية، في تقرير صدر في مايو، من أن قدرة الاحتياطي على سحب النفط وتوزيعه وإعادة تعبئته معرضة للخطر بسبب تقادم البنية التحتية ومشكلات مزمنة في المنشآت.
وخلال عملية السحب التي أمر بها "بايدن"، لم تُسجل أعطال كبيرة في المعدات أو تسربات للنفط الخام، إلا أن تنفيذ العملية مثل تحديًا تشغيليًا، واضطرت وزارة الطاقة إلى ترتيب أولويات الإصلاحات الطارئة بسبب تسربات في مضخات المياه أو الأنابيب.
كما أن العملية السابقة سلطت الضوء على المخاطر التي تهدد قدرة الاحتياطي على تكرار عملية سحب مماثلة من حيث السرعة والحجم.
وقدّر محللو "رابيدان إنرجي" أن الحد الأدنى التشغيلي للاحتياطي يبلغ نحو 170 مليون برميل، وبعد هذا المستوى قد تصبح سلامة الكهوف ومحدودية البنية التحتية للضخ عائقًا أمام السحب الإضافي.

هل دخل الاحتياطي منطقة الخطر؟
تختلف التقديرات بشأن المستوى الذي يبدأ عنده انخفاض المخزون في تشكيل خطر تشغيلي، فوزارة الطاقة الأمريكية ترى ضرورة الاحتفاظ بما لا يقل عن 70 مليون برميل لضمان إدارة الكهوف بصورة آمنة.
بينما يقدّر أستاذ هندسة البترول "سيدهارث ميسرا" أن الحد الأدنى التشغيلي العملي يتراوح بين 250 و300 مليون برميل، ويرى أن انخفاض المخزون إلى ما دون 300 مليون برميل قد يزيد المخاطر التشغيلية ويحد من قدرة النظام على ضخ النفط بسرعات عالية، مع احتمال وصول الرواسب إلى مداخل النفط.
كما أشار إلى أن الحقن المتكرر للمياه واستخراج النفط قد يؤديان بمرور الوقت إلى تغيرات في شكل الكهوف وتساقط الملح من الأسقف، بما قد يؤثر في سلامتها الهيكلية.
في المقابل، ترفض إدارة ترامب المخاوف المتعلقة بسلامة الكهوف، وتؤكد أنها تُدار بصورة مسؤولة باعتبارها أصلًا بالغ الأهمية للأمن القومي.

وقال المتحدث باسم وزارة الطاقة "بن ديتديريش" إن الادعاءات المتعلقة بانهيار الكهوف لا أساس لها من الصحة، مؤكدًا أن الكهوف تظل ممتلئة، وأن ما يتغير هو نسبة النفط إلى الماء داخلها.
وبالتالي، لا يتمثل التحدي أمام الاحتياطي الأمريكي في احتمال "نفاد" النفط منه قريبًا، بقدر ما يتعلق بالحدود التشغيلية التي قد تواجهها واشنطن إذا اضطرت إلى تنفيذ عمليات سحب كبيرة ومتكررة، في وقت يتراجع فيه المخزون وتتقادم البنية التحتية التي يفترض أن تؤمن إمدادات الطوارئ.
المصادر: بيانات وزارة الطاقة الأمريكية - إدارة معلومات الطاقة الأمريكية – شبكة "سي إن بي سي" – تقرير مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}