في لقطة أيقونية من فيلم "ذا بيج شورت" (The Big Short)، بدا "مايكل بوري" وحيدًا وهو يراهن على أن السوق تبالغ في تقدير قيم الأصول، بينما كان معظم المستثمرين ومديري المحافظ يحتفلون بالشاشات الخضراء والأرباح القياسية.

 

 

البعض يرى أن هذا المشهد يتكرر مع تجاوز القيمة السوقية المجمعة للثلاثي الأمريكي العملاق –أبل وإنفيديا ومايكروسوفت– حاجز 12 تريليون دولار، وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لمعظم دول مجموعة السبع.

 

فمع كل مستوى قياسي جديد تسجله الأسهم، ولا سيما أسهم التكنولوجيا، يتجدد التساؤل حول ما إذا كانت أسعارها تعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية لشركاتها، أم أن السوق تقف أمام فجوة تاريخية في التقييمات؟

 

فاليوم، يتداول مؤشر "إس آند بي 500" عند مكرر أرباح مستقبلي يتجاوز بكثير متوسطه الممتد على مدى 20 عامًا والبالغ نحو 15.7 مرة.

 

في حين ارتفعت نسبة القيمة السوقية لإجمالي سوق الأسهم الأمريكية إلى الناتج المحلي الإجمالي، والمعروفة باسم "مؤشر بافيت"، لتتجاوز 190%.

 

ورغم أن المستثمر الأمريكي "وارن بافيت" سبق أن أوضح أن هذا المؤشر لا ينبغي استخدامه بمعزل عن غيره، خاصة مع توسع الشركات الأمريكية عالميًا، فإنه يظل من المؤشرات التي تدعم الرأي القائل إن تقييمات السوق أصبحت مرتفعة مقارنة بالمعايير التاريخية.

 

في المقابل، تفسر الأرباح القوية ومتانة الاقتصاد الأمريكي والتوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي جانبًا من هذه المكاسب.

 

وفي هذا الإطار، اعتبر بعض الخبراء أن المقارنة مع فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية ليست دقيقة، لأن الشركات التي تقود السوق اليوم تحقق أرباحًا وتدفقات نقدية ضخمة، على عكس كثير من شركات تلك الحقبة.

 

هل تجاوزت السوق حدودها التاريخية؟

 

يُعد مضاعف الربحية المستقبلي أحد أكثر المؤشرات استخدامًا لتقييم الأسهم، إذ يقارن بين الأسعار الحالية والأرباح المتوقعة خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.

 

وتتداول شركات مؤشر إس آند بي 500 حاليًا عند مضاعف ربحية مستقبلي يتراوح بين 23 و24 مرة، وفق بيانات فاكت ست.

 

ويعني ذلك أن المستثمرين في مؤشر إس آند بي 500 لا يتعرضون بشكل  واسع للاقتصاد الأمريكي؛ بل يتركزون بكثافة في عدد قليل من أسهم التكنولوجيا

 

 

وتعزز هذه الصورة بيانات مؤشر شيلر لمضاعف الربحية المعدل دوريًا، الذي طوره الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل "روبرت شيلر"، ويقارن الأسعار الحالية بمتوسط الأرباح المعدلة حسب التضخم على مدى عشر سنوات للحد من تأثير الدورات الاقتصادية.

 

ويدور المؤشر حاليًا حول 35 مرة، وهو مستوى تاريخي لم يسجل إلا في فترات استثنائية، أبرزها فقاعة شركات الإنترنت عام 1999 عندما بلغ 44.2 مرة، وموجة السيولة التي أعقبت جائحة كورونا في أواخر عام 2021 حين وصل إلى 38.6 مرة.

 

ولا تعني هذه المؤشرات بالضرورة أن السوق على أعتاب تصحيح حاد، لكنها تشير إلى أن المستثمرين سعّروا بالفعل قدرًا كبيرًا من التفاؤل بشأن الأرباح المستقبلية.

 

فخ التركيز وسيطرة السبع الكبار

 

أدى التركز الكبير للأوزان السوقية داخل مؤشر إس آند بي 500 إلى تشويه مقاييس التقييم التقليدية للمؤشر.

 

وبينما يتداول مؤشر إس آند بي 500 العام عند مضاعف ربحية مستقبلي ضخم، يُظهر السوق الأوسع نطاقًا خارج هذه الشركات الكبرى تقييمات أكثر اعتدالًا، وتداول عند مستويات أقل بشكل ملحوظ.

 

ويعني ذلك أن المستثمرين في مؤشر إس آند بي 500 لم يعودوا يحصلون على تعرض واسع للاقتصاد الأمريكي؛ بل يتركزون بكثافة في عدد قليل من أسهم التكنولوجيا.

 

فعلى سبيل المثال، مثلت شركتا أبل ومايكروسوفت وحدهما في بعض الأوقات أكثر من 13% من وزن المؤشر بأكمله.

 

وفي هذا الصدد، يحذر الخبير الاستراتيجي في الأسواق "إد يارديني"، رئيس شركة يارديني ريسيرش، من أن هذا التركز يحاكي هيكليًا فقاعة الدوت كوم في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وإن كان لا يماثله بالضرورة من حيث الجودة الأساسية للشركات.

 

الذكاء الاصطناعي.. فرصة حقيقية أم مبالغة في التسعير؟

 

يرتبط جزء كبير من صعود الأسهم الأمريكية خلال العامين الماضيين بالرهان على الذكاء الاصطناعي، الذي تحول من تقنية واعدة إلى المحرك الرئيس لقرارات الاستثمار في الأسواق.

 

 

فقد سجلت شركات مثل إنفيديا ومايكروسوفت وميتا وأمازون وألفابت مكاسب سوقية ضخمة، مدفوعة بتوقعات بأن يقود الذكاء الاصطناعي موجة جديدة من النمو والإنتاجية.

 

وتعد إنفيديا المثال الأبرز على ذلك، إذ قفزت إيراداتها خلال السنة المالية 2025 إلى نحو 130.5 مليار دولار مقارنة بنحو 60.9 مليار دولار في السنة السابقة، بينما ارتفع صافي أرباحها إلى نحو 72.9 مليار دولار، مدفوعًا بالطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي.

 

كما أعلنت مايكروسوفت وأمازون وميتا وألفابت عن خطط لإنفاق أكثر من 300 مليار دولار على النفقات الرأسمالية خلال عام 2025، ويذهب الجزء الأكبر منها إلى مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

 

وأدى هذا الزخم إلى تركّز غير مسبوق في أداء السوق، إذ تمثل أكبر شركات التكنولوجيا نحو ثلث القيمة السوقية لمؤشر إس آند بي 500، وفق بيانات إس آند بي داو جونز إنديكسز.

 

وهو ما يجعل أداء المؤشر بأكمله أكثر ارتباطًا بعدد محدود من الشركات مقارنة بما كان عليه في السابق.

 

ورغم تشابه المشهد مع الفترات التي تسبق الفقاعات، يرى عدد من المحللين أن المرحلة الحالية تختلف جوهريًا.

 

فالشركات التي تقود السوق اليوم تحقق أرباحًا ضخمة وتتمتع بتدفقات نقدية قوية ومراكز مالية متينة، على عكس كثير من شركات حقبة الإنترنت التي كانت تعتمد على توقعات النمو أكثر من اعتمادها على نتائج مالية فعلية.

 

تفاؤل أم تجاهل للتحذيرات؟

 

في المقابل، لا ترى مؤسسات استثمارية كبرى أن ارتفاع التقييمات يعني بالضرورة أن السوق دخلت مرحلة الفقاعة.

 

ويستند هذا الرأي إلى استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي، إلى جانب تحقيق الشركات الكبرى مستويات قياسية من الأرباح والتدفقات النقدية.

 

 

فعلى سبيل المثال، تشير تقديرات بيانات "فاكت سيت" و"إس آند بي داو جونز إنديكسز" إلى أن الأرباح المجمعة لشركات مؤشر "إس آند بي 500" في عام 2025 تجاوزت 2.2 تريليون دولار، وهو ما يعكس استمرار متانة ربحية الشركات الأمريكية.

 

كما أن الشركات التي تقود السوق اليوم لا تعتمد على نشاط واحد، بل تحقق إيرادات متنوعة من الحوسبة السحابية، والإعلانات الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والبرمجيات، والخدمات الرقمية، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في مواجهة التقلبات الاقتصادية.

 

وتتوقع جولدمان ساكس أن يؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى رفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 7% خلال العقد المقبل، مع مساهمته في تعزيز إنتاجية الشركات وأرباحها، وإذا تحققت هذه التوقعات، فإن التقييمات الحالية تبدو متسقة مع الأرباح المنتظرة.

 

لكن التاريخ يظهر أيضًا أن الأسواق ذات التقييمات المرتفعة تصبح أقل قدرة على استيعاب المفاجآت السلبية، سواء جاءت من الاقتصاد أو السياسة النقدية أو نتائج الشركات.

 

وفي هذا السياق، يرى محللون في جي بي مورجان وبلاك روك أن العامل الحاسم خلال المرحلة المقبلة لن يكون مستوى التقييمات وحده، بل قدرة الشركات على تحقيق الأرباح التي تبرر تلك التقييمات، إضافة إلى مسار أسعار الفائدة الأمريكية.

 

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الأسهم الأمريكية أصبحت باهظة الثمن، بل ما إذا كان نمو الأرباح والاقتصاد الأمريكي قادرين على مواصلة اللحاق بهذه الأسعار.

 

فالتاريخ يبين أن الأسواق لا تنهار لمجرد ارتفاع تقييماتها، لكنها تصبح أكثر تطلبًا؛ إذ يتحول كل تقرير أرباح، وكل قرار للفيدرالي الأمريكي، وكل مؤشر اقتصادي إلى اختبار جديد لقدرة الأسعار على تبرير نفسها.

 

المصادر: أرقام- إس آند بي داو جونز إنديكسز- فاكت ست- يارديني ريسيرش- جولدمان ساكس- مورجان ستانلي- جي بي مورجان تشيس- بلاك روك- إنفيديا- مايكروسوفت- أبل- بورصة ناسداك- بورصة نيويورك

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.