في معظم الشركات، تُقاس الإنجازات بالأرقام: أرباح أعلى، مبيعات أكبر، إنتاجية أسرع. لكن يوجد شيء آخر أكثر هدوءًا وتأثيرًا، غالبًا ما يُهمل رغم قدرته على تغيير بيئة العمل بالكامل: شعور الإنسان بأنه مرئي ومُقدَّر.

 

بين زحام الاجتماعات، وضغط المواعيد النهائية، والتغيرات المتسارعة التي تضرب عالم الأعمال، يعمل كثير من الموظفين بصمت. يحلون المشكلات، ويتحملون الضغوط، ويحافظون على سير العمل اليومي، دون أن يسمعوا أحيانًا كلمة تقدير واحدة.

 

ومع ذلك، تُظهر الأبحاث أن التقدير ليس مجاملة عابرة أو رفاهية إدارية، بل حاجة نفسية أساسية تؤثر مباشرة في الرضا الوظيفي، والدافعية، والصحة النفسية، وحتى بقاء الموظفين داخل الشركات.


 

لماذا يُعد التقدير مهمًا؟

 

يلعب تقدير الموظفين دورًا محوريًا في تعزيز الاندماج الوظيفي، والرضا، والتحفيز، والروح المعنوية، والصحة النفسية. وهو لا يفيد الموظفين فقط، بل ينعكس أيضًا على أداء الشركات ونتائجها المالية.

 

عندما يشعر الموظفون بالتقدير، يصبحون أكثر إنتاجية وولاءً، ويرتفع الأداء المؤسسي بشكل عام.

 

وتشير أبحاث تناولت تأثير التقدير، والتغذية الراجعة، والحوافز المالية على أداء الموظفين، إلى أن الأداء يبلغ أعلى مستوياته عندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة معًا.

 

وتيرة مرهقة

 

ومع التحولات الكبيرة التي تشهدها المؤسسات اليوم - مثل الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي، وزيادة أتمتة الوظائف، والتغيرات التشريعية، وتقليص العمالة، وارتفاع معدلات البطالة - يجد كثير من الموظفين أنفسهم مطالبين بالتكيف بوتيرة مرهقة ومتسارعة. البعض يشعر وكأنه بالكاد يستطيع الصمود وسط كل هذه الضغوط.

 

هنا يبرز دور التقدير. فاعتراف المدير بجهود الموظف يمكن أن يخفف من آثار ضغوط العمل الزائدة والإجهاد النفسي.

 

التقدير يلامس حاجة إنسانية عميقة: أن يشعر الفرد بأنه مرئي، وأن ما يفعله له قيمة. وعندما يحدث ذلك، ترتفع الدافعية، وينخفض التوتر، وتزداد الروابط الإنسانية داخل فرق العمل.

 

الجميع يعلم أن الإنسان يكون أكثر سعادة وإبداعًا عندما يستخدم نقاط قوته في العمل، لكنّ أبحاثًا حديثة أظهرت أن اعتراف الزملاء بهذه النقاط الإيجابية يعزز الفوائد بشكل أكبر.

 

 

ماذا يجب أن يشمل التقدير؟

 

كثير من القادة يربطون التقدير بالنجاحات والنتائج فقط، لكن التقدير الحقيقي أوسع من ذلك بكثير. ووفقًا للدراسات، يجب أن يشمل تقدير الموظفين الجوانب التالية:

 

1- تقدير الشخص نفسه

 

أي الاعتراف بالموظف كإنسان، وليس كآلة إنتاج فقط. ويتضمن ذلك احترامه، والاستماع إلى آرائه، وإشراكه في اتخاذ القرارات.

 

2- تقدير أسلوب العمل

 

أي تقدير الطريقة التي يؤدي بها الموظف عمله، وليس النتائج فقط. مثل الإبداع، والكفاءة، واستثمار نقاط القوة، والقدرة على التعامل مع العملاء، وغيرها.

 

3- تقدير الالتزام والجهد

 

يعني الاعتراف بالمثابرة، والالتزام، والجهد المبذول، خصوصًا في الأوقات الصعبة. فهذا النوع من التقدير يوصل رسالة مهمة: “نحن نرى تعبك حتى لو لم تتحقق النتيجة المطلوبة”.

 

4- تقدير النتائج والإنجازات

 

يشمل مكافأة النجاحات والنتائج الإيجابية من خلال الحوافز، أو كلمات الإشادة، أو الاحتفالات، أو الترقيات.

 

 

المشكلة أن كثيرًا من المديرين يركزون فقط على النتائج، بينما تؤكد الدراسات أن المزج بين الأنواع الأربعة هو ما يصنع بيئة عمل صحية ومتوازنة. فتقدير الجهد، والأسلوب، والإنسان نفسه، لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالنجاح النهائي.

 

كما أن تأجيل التقدير إلى التقييم السنوي أو المناسبات الرسمية ليس كافيًا. فالأبحاث تشير إلى أن التقدير يجب أن يكون مستمرًا ومندمجًا في التفاعلات اليومية، لا مجرد إجراء موسمي أو رسمي.

 

وعندما يأخذ القادة والزملاء وقتًا ليقولوا ببساطة: “نحن نقدّرك”، فإن أثر ذلك يمتد داخل المؤسسة بأكملها. ينتشر الامتنان، وترتفع المعنويات، وتصبح الفرق أكثر ترابطًا وتعاونًا.

 

والأهم أن الأمر لا يحتاج إلى خطوات ضخمة أو ميزانيات كبيرة.

 

 

كيف تبدأ ثقافة التقدير داخل العمل؟

 

إذا كنت تتساءل عن كيفية إدخال مزيد من الامتنان والتقدير إلى بيئة العمل، فإليك بعض الخطوات البسيطة المدعومة بالأبحاث والتجارب العملية:

 

1- أشرك الجميع:

 

أحيانًا لا يرى المدير كل التفاصيل اليومية التي يقوم بها الموظفون، لكن الزملاء يرونها جيدًا. والمثير للاهتمام أن التقدير القادم من الزملاء قد يكون أكثر تأثيرًا على رفاهية الموظف من التقدير القادم من المدير نفسه. لذلك من المفيد إنشاء ممارسات أو منصات تسمح للموظفين بتبادل كلمات التقدير بشكل منتظم.

 

2- ابدأ الاجتماعات بالتقدير:

 

خصص بداية الاجتماعات للاعتراف بجهود الفريق الأخيرة، أو الإشادة بنقاط القوة، أو تقدير الصمود في الفترات الصعبة.

 

3- اكتب كلمة بسيطة:

 

رسالة بخط اليد، أو ملاحظة صغيرة، أو بريد إلكتروني سريع، قد يترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى الموظف.

 

4- اجعل التقدير علنيًا:

 

شارك كلمات الإشادة داخل قنوات الفريق أو النشرات الداخلية للشركة.

 

5- كن محددًا:

 

بدلًا من عبارة عامة مثل “عمل رائع”، حاول أن توضّح ما الذي أعجبك تحديدًا، مثل:

ملاحظاتك في اجتماع الاستراتيجية أمس ساعدتنا على تغيير اتجاهنا بطريقة أكثر ذكاءً،

أو:

أعرف أننا لم نفز بالعقد، لكنني أقدّر جدًا الساعات الطويلة التي عملتها خلال الفترة الماضية”.

 

6- حوّل التقدير إلى عادة:

 

اجعل الامتنان جزءًا من الروتين الأسبوعي، مثل فقرة أسبوعية للشكر أو جوائز تقدير شهرية.

 

7- ابتكر طقوسًا إنسانية:

 

إذا كان الفريق يحتفل بأعياد الميلاد، فيمكن تخصيص لحظة قبل الاحتفال ليعبّر كل فرد عمّا يقدّره في زميله، وكيف يضيف للفريق.

 

 

تحدٍ بسيط هذا الموسم

 

هذا الموسم، جرّب أن توسّع دائرة امتنانك خارج حدود العائلة والأصدقاء.

 

اشكر زميلًا سهّل يومك.

 

قدّر موظفًا يحافظ على سير الأمور بصمت. واعترف بجهود الأشخاص الذين يواصلون الحضور والعمل حتى في أصعب الظروف. ومن ثم فإن الامتنان في بيئة العمل لا يرفع المعنويات فقط، بل يبني أماكن عمل أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على النجاح والاستمرار.

 

المصدر: "سايكولوجي توداي"

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.