من الطب والهندسة إلى الرقائق .. هل تغيّر تعريف النجاح
لطالما كان الطريق إلى النجاح في كوريا الجنوبية واضح المعالم، يتسم بسنوات من الدراسة والمنافسة الشرسة على مقاعد الجامعات المرموقة، ثم وظيفة في الطب أو القانون أو إحدى المهن التي تحظى بأعلى تقدير اجتماعي.
لكن طفرة الذكاء الاصطناعي بدأت تغيّر هذه المعادلة، إذ جعلت أشباه الموصلات، التي تقف في قلب الثورة التكنولوجية، واحدة من أكثر الصناعات جذبًا للشباب.
والمفارقة أن التكنولوجيا التي تهدد بإعادة تشكيل سوق العمل هي نفسها التي تخلق وظائف ذات أجور استثنائية في صناعة الرقائق، وتدفع بعض الكوريين إلى التساؤل عما إذا كانت أربع سنوات في الجامعة لا تزال الطريق الأفضل إلى وظيفة مستقرة ودخل مرتفع.

من كليات الطب إلى مصانع الرقائق
أصبحت برامج أشباه الموصلات التي ترعاها شركتا صناعة الرقائق الكوريتان "سامسونج" و"إس كيه هاينكس" أكثر جاذبية للشباب، خصوصًا تلك التي توفر فرص توظيف بعد التخرج.
وفي دورة القبول لعام 2026، تجاوز الإقبال على بعض برامج أشباه الموصلات المرتبطة بـ إس كيه هاينكس" معدلات التقديم إلى كليات الطب، التي تراجع عدد المتقدمين إليها بنحو الثلث إلى أدنى مستوى في خمس سنوات.
ولا يتعلق الأمر بالوظيفة وحدها، بل بما يمكن أن تدره، فقد بلغ متوسط راتب موظفي "سامسونج إلكترونكس" 158 مليون وون، نحو 107.3 ألف دولار، العام الماضي.
إلى جانب المكافآت السخية المرتبطة بأداء قطاع الرقائق، إذ توصلت "سامسونج" في وقت سابق من هذا العام إلى اتفاق مع 78 ألف موظف في قسم أشباه الموصلات، بينما التزمت "إس كيه هاينكس" بتوزيع 10% من أرباحها التشغيلية على الموظفين على مدى العقد المقبل.
وفي عام مزدهر للصناعة، قد تتجاوز مكافآت بعض العاملين بها 400 ألف دولار، في بلد يبلغ فيه متوسط الأجر السنوي نحو 45 مليون وون، أو قرابة 30 ألف دولار.

مدارس متخصصة
لم يعد السباق على وظائف الرقائق يبدأ بعد التخرج من الجامعة، ففي مدرسة "تشونغبوك" الثانوية لأشباه الموصلات، بمقاطعة أومسونغ، يتلقى نحو 300 طالب تدريبًا عمليًا على تصنيع الرقائق والمعدات والمواد الكيميائية، داخل مرافق تحاكي مصانع أشباه الموصلات الحقيقية.
وتبدو النتائج لافتة، إذ يتخرج 96.4% من الطلاب بعروض عمل، فيما حصل 23 طالبًا على وظائف في "سامسونج" العام الماضي، كما وقعت أكثر من 100 شركة لأشباه الموصلات اتفاقيات لتوظيف خريجي المدرسة.
بدأت "تشونغبوك" كمدرسة مهنية تقليدية، قبل أن تتحول عام 2010 إلى أول مدرسة ثانوية متخصصة في أشباه الموصلات في كوريا، وخلال العام الماضي زادت طلبات الالتحاق بها ثلاثة أضعاف، في مؤشر على تغير نظرة الأسر والطلاب إلى التعليم المهني.
ولم تعد المدرسة استثناءً، ففي مارس تحولت مدرسة "دايغو" الثانوية التقنية للإلكترونيات إلى مدرسة متخصصة في أشباه الموصلات، يتلقى طلابها تدريبًا في تصنيع الرقائق والمعدات وإدارة الإنتاج والجودة والصيانة.

شريان حياة للاقتصاد
وراء هذا التحول التعليمي قوة اقتصادية ضخمة، فقد صدرت كوريا الجنوبية رقائق بقيمة قياسية بلغت 173 مليار دولار في 2025، وأسهمت صادرات الرقائق في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.7% خلال الربع الأول من العام الجاري.
ومع ازدهار الذكاء الاصطناعي، أصبحت "سامسونج" و"إس كيه هاينكس" من أكثر جهات العمل جذبًا للباحثين عن وظائف، إذ أظهر استطلاع أجرته "جوب كوريا" شمل 3287 باحثًا عن عمل أن 32% منهم وضعوا الرواتب ومكافآت الأداء في مقدمة أسباب اختيار جهة العمل، مقابل 15% أشاروا إلى مزايا الموظفين.
لكن هذه الطفرة تحمل بعدًا اجتماعيًا أيضًا، فمع ارتفاع أجور العاملين في صناعة الرقائق، بدأ يظهر جيل جديد من الموظفين الميسورين، يصل دخل بعضهم إلى عشرات أضعاف متوسط دخل الفرد، ما يغذي في المقابل النقاش حول اتساع فجوة الثروة.

مستقبل غامض
المفارقة أن صناعة الرقائق - كثيفة رأس المال وليست كثيفة العمالة - التي تقدم فرصًا جاذبة قد لا تكون بمنأى عن التهديد الذي أحدثته طفرة الذكاء الاصطناعي نفسها.
فعلى الرغم من ارتفاع صادرات أشباه الموصلات الكورية بنحو 75% بين 2023 و2025، لم يضف القطاع سوى نحو ألف وظيفة، وفق البيانات الحكومية، فيما لا يمثل العاملون فيه سوى أقل من 1% من إجمالي القوى العاملة في كوريا الجنوبية.
إلى جانب ذلك، تخطط كل من "سامسونج" و"إس كيه هاينكس" لتطوير مصانع أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي والروبوتات بحلول 2030، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل بعض الوظائف التي تبدو اليوم شديدة الجاذبية.
وهكذا، تقف كوريا الجنوبية، ودول العالم، أمام مفارقة لافتة: الذكاء الاصطناعي يرفع قيمة الرقائق والعاملين فيها، لكنه في الوقت نفسه يدفع الصناعة نحو أتمتة قد تقلل الحاجة إلى هؤلاء العاملين، وبينما يبدو الطريق إلى وظيفة مربحة أقصر عبر مصانع الرقائق، قد يكون السؤال الأصعب هو: إلى متى سيظل هذا الطريق ممهدًا أمام الأجيال المقبلة؟
المصادر: مجلة "إم آي تي تكنولوجي ريفيو" – صحيفة "نيويورك تايمز" – صحيفة "كوريا هيرالد" - رويترز – صحيفة "فاينانشال تايمز "– ذا فيرج
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}