أغلق أحد المسافرين جواله مبديًا بعض الضيق بعد أن استقبل رسالة نصية "تم تأجيل رحلتك لمدة ساعتين"، ليجد نفسه فجأة عالقًا في صالة المغادرة بمبنى الركاب، وأمامه متسع طويل من الوقت لا يدري كيف سيقضيه.

 

 

تطلع حوله، فجذبته رائحة البن الطازج المنبعثة من مقهى قريب؛ توجه إليه وجلس يحتسي كوبًا من القهوة الدافئة وتناول معها بعض الأطعمة الخفيفة بينما يتصفح بريده الإلكتروني.

 

بعدها تجول بين أروقة المطار، ودخل متجرًا لبيع الإلكترونيات ليشتري سماعة بلوتوث كان يؤجل شراءها، ثم مر بسوق الهدايا واقتنى بعض الشوكولاتة الفاخرة قبل أن يتوجه أخيرًا لبوابة صعود طائرته.

 

ورغم شعور هذا المسافر بالاستياء من هذا الوقت الإضافي الذي اضطر لقضائه داخل المطار، إلا أن تلك الدقائق كانت بمثابة "كنز ثمين" لمرافق المطار وإدارته التجارية حيث كانت ترى في كل دقيقة يقضيها فرصة لتحقيق إيرادات إضافية.

 

ففي عالم الطيران الحديث، لا يوجد شيء اسمه "وقت ضائع"؛ فكل لحظة يقضيها المسافر بالمطار هي فرصة ذهبية جرى تصميمها مسبقًا بدقة فائقة لتحويل هذا الانتظار الممل إلى تدفقات نقدية مستمرة تملأ خزائن المطارات.

 

فمن متاجر السوق الحرة والمطاعم الفاخرة إلى صالات كبار الزوار، والإعلانات الرقمية، ومرافق الترفيه، وحتى مرافق الاسترخاء والعناية بالصحة، أصبحت المطارات تهدف إلى تعظيم ما يعرف بـ"زمن المكوث"، أي الفترة ما بين اجتياز التفتيش الأمني وصعود الطائرة.

 

ووفقًا لـ مجلس المطارات الدولي، استقبلت مطارات العالم نحو 9.5 مليار مسافر خلال عام 2024، متجاوزة مستويات ما قبل جائحة كورونا، وهو ما يعكس الحجم الهائل للفرص التجارية المتاحة داخل المطارات.

 

المطارات تتحول إلى إمبراطوريات للتسوق

لا تزال رسوم الطيران تمثل مصدرًا مهمًا لإيرادات المطارات، إلا أن الأنشطة التجارية أصبحت اليوم ركيزة استراتيجية لا تقل أهمية.

 

وتنقسم إيرادات المطارات عادة إلى قسمين رئيسيين: إيرادات الطيران، التي تشمل رسوم هبوط الطائرات ورسوم خدمة المسافرين، وإيرادات غير الطيران، والتي تضم مبيعات التجزئة، والمطاعم والمقاهي، ومواقف السيارات، وغيرها من الخدمات المقدمة للمسافرين.

 

 

وبحسب مجلس المطارات الدولي، تمثل الإيرادات التجارية نحو 40% من إجمالي إيرادات المطارات عالميًا، مع اختلاف هذه النسبة بحسب المنطقة الجغرافية ونموذج عمل كل مطار.

 

وفي عدد من أكبر المطارات الدولية، تقترب الإيرادات غير المرتبطة بالطيران من نصف إجمالي الإيرادات، بل وتتجاوزها في بعض الحالات، وهو ما يقلل اعتماد المطارات على الرسوم التي تدفعها شركات الطيران.

 

ويعد مطار شانغي في سنغافورة مثالًا بارزًا على هذا التوجه، حيث تحول إلى وجهة قائمة بذاتها عبر مشروع جوهرة شانغي، الذي بلغت تكلفة إنشائه نحو 1.7 مليار دولار سنغافوري (ما يعادل 1.25 مليار دولار أمريكي وقت افتتاحه).

 

ويضم المطار أكثر من 280 متجرًا ومطعمًا، إلى جانب حدائق داخلية ومرافق ترفيهية وشلال داخلي يُعد الأعلى في العالم.

 

ولم يتوقف الاستثمار عند هذا الحد، إذ أعلنت مجموعة مطار شانغي في عام 2024 عن خطة لضخ نحو 2.2 مليار دولار أمريكي إضافية لتحديث مباني الركاب وتعزيز تجربة المسافرين، في إطار الحفاظ على مكانة المطار كأحد أبرز مراكز الطيران والتجارة في العالم.

 

زمن المكوث أصبح أكثر قيمة

يركز مصممو المطارات اليوم بصورة متزايدة على إطالة وتحسين زمن مكوث المسافر، ليس من خلال تأخير الرحلات، بل عبر جعل تجربة ما قبل صعود الطائرة أكثر سلاسة وكفاءة.

 

وتشير دراسات صادرة عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (آياتا) إلى أن تقليل حالة القلق وعدم اليقين عند نقاط التفتيش الأمني، وتحسين تدفق حركة المسافرين داخل الصالات، يدفعان الركاب لقضاء وقت أطول في التسوق وتناول الطعام بدلًا من الإسراع نحو بوابات المغادرة.

 

وأظهرت دراسة شملت 86 مطارًا أمريكيًا، أن زيادة زمن المكوث بنسبة 10% ترفع الإيرادات غير المرتبطة بالطيران بنحو 5%، كما تدعم إيرادات الأغذية والمشروبات بنحو 8% وإيرادات التجزئة بنحو 6%.

 

 

ولهذا السبب تستثمر المطارات بكثافة في أنظمة القياسات الحيوية (البيومترية)، وبوابات الجوازات الآلية، وخدمات تسليم الأمتعة الذاتية، وأنظمة الإرشاد الرقمي داخل الصالات بهدف خلق فرص تجارية إضافية من خلال منح المسافر وقتًا أكثر راحة وأقل توترًا.

 

ويعد مطار هيثرو في لندن مثالًا على توظيف التكنولوجيا لتعزيز الكفاءة التشغيلية والأنشطة التجارية، إذ أسهمت استثماراته في الأنظمة الرقمية وإدارة تدفقات المسافرين في دعم نمو أعماله.

 

وخلال عام 2024 حقق المطار إيرادات بلغت 3.48 مليار جنيه إسترليني فيما ارتفع صافي أرباحه إلى 961 مليون جنيه إسترليني بالتزامن مع تسجيله رقمًا قياسيًا بلغ نحو 84 مليون مسافر.

 

كل مسافر مصدر لإيرادات متنوعة

قد تبدو عملية شراء فنجان قهوة قبل الإقلاع أمرًا بسيطًا، لكن عند تكرارها ملايين المرات سنويًا تتحول إلى مصدر ضخم للإيرادات.

 

إلا أن الإنفاق داخل المطارات لا يقتصر على احتساء القهوة فقط، فهو يشمل شراء السلع الفاخرة، ومستحضرات التجميل، والإلكترونيات، والهدايا التذكارية، والأطعمة والمشروبات، بالإضافة إلى خدمات مثل رسوم مواقف السيارات، وتحويل العملات، وتغليف الأمتعة.

 

ووفقًا للاتحاد العالمي للأسواق الحرة وتجارة السفر، بلغت قيمة سوق تجارة التجزئة للمسافرين عالميًا نحو 86 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مع توقعات بتجاوز 100 مليار دولار قبل نهاية العقد الحالي مدفوعة بعودة السفر الدولي.

 

ولهذا تواصل مجموعات السلع الفاخرة الكبرى، مثل إل في إم إتش وكيرينغ، توسيع حضورها داخل المطارات، إذ تنظر إلى المسافرين الدوليين باعتبارهم من أكثر فئات المستهلكين إنفاقًا.

 

كيف تعيد الخوارزميات هندسة الإنفاق في المطارات؟

أصبحت اقتصاديات الوقت داخل المطارات تعتمد بصورة متزايدة على الخوارزميات، فالتطبيقات الرقمية تتيح للمسافرين تلقي عروض مخصصة بناءً على مواعيد رحلاتهم، أو عضويتهم في برامج الولاء، أو حتى سجل مشترياتهم السابق.

 

كما تساعد الخرائط التفاعلية الركاب على الوصول إلى المتاجر والمطاعم بسهولة، بينما تتيح خدمات الطلب عبر الجوال شراء المنتجات أو الوجبات حتى أثناء السير نحو بوابة المغادرة.

 

 

ويستخدم الذكاء الاصطناعي أيضًا للتنبؤ بكثافة حركة المسافرين في مختلف مناطق المطار، وهو ما يسمح للمتاجر والمطاعم بتعديل أعداد العاملين وإدارة المخزون بصورة لحظية وفقًا لحجم الطلب المتوقع.

 

وتعتمد مطارات مثل سخيبول في أمستردام وشانغي في سنغافورة على تحليلات حركة المسافرين لتحديد أفضل مواقع المتاجر والإعلانات الرقمية، بما يساعد على تحسين تجربة المسافر وتعظيم العائد من المساحات التجارية داخل مباني الركاب.

 

كما بدأت برامج الولاء الخاصة بالمطارات تتجاوز ارتباطها بشركات الطيران، حيث تكافئ بعض المطارات المسافرين على التسوق أو تناول الطعام أو استخدام مواقف السيارات أو الخدمات المميزة، بما يشجع على زيادة الإنفاق في كل زيارة.

 

منافسة بين تجارب المطارات

في الوقت الذي أصبحت فيه خدمات شركات الطيران أكثر تقاربًا، تتنافس المطارات اليوم عبر جودة تجربة المسافر.

 

ويؤكد تقرير "سكاي تراكس" أن المطارات التي تتمكن من إرضاء المسافرين تستثمر بصورة مستمرة بالخدمات التجارية والترفيهية، وهو ما عكسته مطارات مثل شانغي، وحمد الدولي، وهانيدا، المتصدرة للمراكز الثلاثة الأولى في تصنيف أفضل مطارات العالم لعام 2025.

 

وفي هذا الإطار يشير مجلس المطارات الدولي إلى أن كل زيادة بنسبة 1% في رضا المسافرين تؤدي في المتوسط إلى نمو الإيرادات غير المرتبطة بالطيران بنسبة 1.5%.

 

ومع استمرار نمو حركة السفر العالمية، واحتدام المنافسة بين المطارات للفوز بمكانة مراكز العبور الدولية، يبدو أن مطارات المستقبل ستشبه مدنًا ذكية مصغرة أكثر من كونها مرافق للنقل.

 

وفي هذا المشهد الجديد، قد لا يكون أغلى ما يملكه المطار هو المدرج الذي تهبط عليه الطائرات، بل الوقت الذي يقضيه المسافر بين بوابة التفتيش وبوابة الصعود، حيث تتحول الدقائق بهدوء إلى قيمة اقتصادية متنامية.

 

المصادر: أرقام- مجلس المطارات الدولي- الاتحاد الدولي للنقل الجوي- منظمة الطيران المدني الدولي- الاتحاد العالمي للأسواق الحرة وتجارة السفر- سكاي تراكس

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.