مع استمرار الصراع وعدم التوصل إلى اتفاق ينهيه، وجدت إدارة الرئيس "دونالد ترامب" نفسها أمام خيارات محدودة، فاستمرار العمليات العسكرية يحمل كلفة ومخاطر متزايدة، بينما لم تنجح العقوبات التي فرضتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدى سنوات في إجبار طهران على قبول المطالب الأمريكية.

 

لذلك عادت واشنطن إلى سياسة تهدف إلى جعل طهران معزولة اقتصاديًا عن العالم، لكن هذه المرة بهدف تضييق الخناق على كل مصادر الدخل التي تساعد إيران على تمويل اقتصادها والحفاظ على قدرتها على مواصلة الحرب، ودفعها  إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وهي مستعدة لإبرام اتفاق يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز ووقف تطوير سلاح نووي.

 

 

قطع شرايين الدعم

أعلنت الولايات المتحدة توسيع نطاق العقوبات ليشمل النفط والأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، إلى جانب المؤسسات التي تساعد النظام الإيراني على تحويل الأموال.

 

وقال وزير الخزانة الأمريكي "سكوت بيسنت" إن واشنطن ستعمل على قطع شرايين الإيرادات الإيرانية، محذرًا الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران من أنها قد تفقد إمكانية الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.

 

ولم تكن الرسالة موجهة إلى إيران وحدها، فبحسب "مايكل باركر"، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، بدت تصريحات "بيسنت" بمثابة تحذير للحكومات الأجنبية أيضًا، ومنحها فرصة لتغيير سلوكها قبل أن تتحول التهديدات إلى عقوبات أوسع.

 

بمعنى آخر، تريد واشنطن أن تجعل تكلفة التعامل مع إيران أكبر من الفائدة التي تحصل عليها الشركات والدول من استمرار التجارة معها.

 

نظام اعتاد العقوبات

تأتي هذه الضغوط في وقت يمر فيه الاقتصاد الإيراني من أزمة حادة بالفعل، فقد دخلت إيران الحرب وهي تعاني من تضخم مرتفع وتراجع حاد في قيمة عملتها، قبل أن يؤدي تصاعد القتال إلى تعميق أزمتها.

 

وتراهن الإدارة الأمريكية على أن استمرار هذا النزيف الاقتصادي قد يصل في مرحلة ما إلى نقطة يصبح عندها استمرار الحرب أكثر كلفة بالنسبة لطهران من تقديم تنازلات سياسية.

 

لكن إيران أمضت عقودًا في تعلم كيفية العيش تحت العقوبات، فقد طورت شبكات من الوسطاء والشركات الوهمية وعمليات التهريب، واستفادت من طرق برية وبحرية بديلة للحفاظ على تدفق السلع والأموال.

 

لذلك تبدي طهران استخفافًا علنيًا بإجراءات العزل الاقتصادي، حيث وصفها وزير الاقتصاد الإيراني "علي مدني زاده" بأنها "كلام مكرر"، بينما أكد الرئيس "مسعود بزشكيان" أن بلاده اعتادت التعامل مع هذه الضغوط ولن تقدم تنازلات تحت التهديد.

 

ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط حول قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات، بل عن قدرة واشنطن على إغلاق القنوات التي ظلت مفتوحة طوال السنوات الماضية.


 

الصين.. الشريان الرئيسي

وهنا تصل المعركة إلى أهم حلقاتها، وهي الصين، فقبل الحرب، كانت الصين تستحوذ على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، لتصبح بذلك أكبر شريك تجاري لطهران وأهم منفذ لصادراتها النفطية.

 

ولا تقتصر أهمية الصين على شراء النفط، بل تمتد إلى شبكة واسعة من الشركات والناقلات والوسطاء التي تساعد على استمرار التجارة رغم العقوبات، وتتحرك هذه الشبكة بعيدًا عن القنوات الرسمية في كثير من الأحيان، ما يجعل إغلاقها بالكامل مهمة شديدة التعقيد.

 

ولهذا يرى "ماكس ميزليش" المسؤول السابق بمكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي، أن وقف تدفق الأموال إلى إيران سيكون مستحيلًا تقريبًا من دون مواجهة الدور الصيني، مشيرًا إلى بنك "كونلون" الصيني باعتباره أحد الأهداف المحتملة.

 

وكانت واشنطن قد قطعت وصول البنك إلى النظام القائم على الدولار في عام 2012، لكن استهداف مؤسسات مالية صينية أكبر هذه المرة سيكون مختلفًا، لأنه لن يمثل مجرد تصعيد ضد إيران، بل قد يتحول إلى اختبار مباشر لمدى قدرة الولايات المتحدة على استخدام النظام المالي العالمي كسلاح في مواجهة الصين.


 

المواجهة الأصعب

لهذا السبب، فإن نجاح خطة عزل إيران لا يتوقف في الواقع على ما يحدث داخل طهران بقدر ما يتوقف على سلوك بكين، فإذا بدأت البنوك الصينية والشركات والمصافي ومشترو النفط في تقليص تعاملاتهم مع إيران خوفًا من العقوبات الثانوية الأمريكية، فقد تفقد طهران أحد أهم شرايين اقتصادها، وعندها قد يصبح الضغط الاقتصادي أكثر تأثيرًا في حساباتها السياسية.

 

أما إذا واصلت الصين شراء النفط الإيراني والحفاظ على قنوات التجارة، فقد تجد واشنطن أن أقصى درجات الضغط ليست كافية لتحقيق الهدف الذي تريده.

 

لكن المشكلة أن استهداف الصين لن يكون بلا ثمن، إذ تضع خطة العقوبات الثانوية العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم على المحك، فبمجرد إعلان واشنطن نيتها استهداف الدول والشركات الداعمة لطهران، جاء الرد الصيني حازماً؛ حيث وصفت بكين الإجراءات بـ "غير القانونية" وتوعدت بالرد بالمثل لحماية مصالحها.

 

وقد تمتد المواجهة إلى أدوات اقتصادية أخرى، مثل المعادن النادرة، في وقت تحاول فيه واشنطن وبكين الحفاظ على هدنة تجارية هشة، بينما يستعد الرئيسان "ترامب" و"شي جين بينغ" لاجتماع مرتقب في واشنطن.

 

ومن هذا المنطلق، كلما أرادت واشنطن أن تجعل حصار إيران أكثر إحكامًا، اقتربت أكثر من مواجهة الصين، فاستهداف الشركات والوسطاء الصغار قد لا يكون كافيًا لخنق طهران، بينما استهداف البنوك والمؤسسات الصينية الكبرى قد يحقق النتيجة المطلوبة ضد إيران، لكنه يفتح في المقابل جبهة اقتصادية جديدة مع بكين.

 

ويبقى السؤال: هل واشنطن مستعدة بالفعل للمخاطرة بصدام اقتصادي واسع النطاق مع بكين من أجل إرغام إيران على التنازل، أم أن استراتيجية الضغط ستصطدم مجدداً بنفوذ بكين وقدرة طهران على التكيف؟

 

المصادر: أرقام – واشنطن بوست – أويل برايس  - سي إن بي سي  - صحيفة "الإيكونومست"

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.