اختيارات القراء .. مفارقة اختفاء الوظائف مع انخفاض البطالة
مفارقة غريبة كشفها تقرير الوظائف الأمريكي الأخير: البطالة انخفضت رغم تراجع عدد العاملين.. فما الذي يحدث في أكبر اقتصاد بالعالم؟

تخيل غرفة بها 100 شخص في سن العمل، يعمل 60 منهم، ويبحث 10 عن وظيفة، فيما يوجد 30 لا يبحثون (خارج قوة العمل)؛ معدل البطالة هنا ليس 40%، بل 14.3%، لأنه يُحسب من قوة العمل فقط (10 ÷ 70).
وإذا انخفض العاملون إلى 57، لكن ستة عاطلين توقفوا عن البحث، تهبط البطالة إلى 10.9% (7 ÷ 64) رغم أن الغرفة أصبحت تضم وظائف أقل.
ليست حيلة حسابية، إنما نتيجة لتعريف البطالة؛ وقد يحدث العكس وترتفع البطالة مع زيادة التوظيف إذا دخل باحثون جدد عن العمل إلى السوق.
المفارقة الأولى هي ما حدث بالضبط في أكبر اقتصاد بالعالم، حيث فقد 23 ألف وظيفة في يوليو، وتراجع عدد العاملين في مسح الأسر 87 ألفًا، ومع ذلك انخفض معدل البطالة من 4.2% إلى 4.1%.
هذه المفارقة تقف وراء السؤال المنطقي الذي طرحه الأخ "Gold thinking" على تقرير الوظائف الأمريكي لشهر يوليو، قائلًا: "كيف تنخفض الوظائف ثم تنخفض البطالة؟".

المفارقة حقيقية، لكن تفسيرها على المستوى الاقتصادي قد يكون أكثر تعقيدًا من مثال الغرفة أعلاه، فماذا تكشف البيانات حقًا؟
من هو العاطل؟
- لا يقيس معدل البطالة جميع من لا يعملون، بل نسبة الباحثين بنشاط عن وظيفة إلى قوة العمل، التي تضم العاملين والعاطلين، لذلك، من لا يعمل ولا يبحث بنشاط خلال الأسابيع الأربعة السابقة يُعد خارج قوة العمل، مع بعض الاستثناءات.
- هذا يفسر ما حدث حسابيًا في يوليو، حيث انكمشت قوة العمل الأمريكية 264 ألف شخص إلى 169.09 مليون، وتراجع عدد العاملين 87 ألفًا، لكن عدد العاطلين انخفض بمقدار أكبر، بلغ 178 ألفًا إلى 6.916 مليون.
- هكذا انخفض معدل البطالة إلى 4.1% من 4.2%.
- هناك اختلاف مهم بين رقمين رئيسيين: خسارة 23 ألف وظيفة تأتي من مسح المنشآت الذي يحصي الوظائف، فيما تراجع عدد العاملين 87 ألفًا يأتي من مسح الأسر الذي يحصي الأشخاص.
- لذلك قد يُحسب صاحب الوظيفتين مرتين في المسح الأول ومرة واحدة في الثاني، فضلًا عن اختلاف نطاق التغطية لكل مسح.
هل خرج العاطلون من الباب؟
- هنا يصبح مثال الغرفة مفيدًا وخطيرًا في الوقت نفسه، فهو يثبت كيف يمكن أن تنخفض البطالة بسبب توقف الأفراد عن البحث، لكنه لا يثبت أن ذلك هو ما حدث في الولايات المتحدة خلال يوليو.
- لو كانت تلك هي القصة، لتوقعنا زيادة انتقال العاطلين إلى خارج قوة العمل، لكن بيانات التدفقات أظهرت العكس: انخفض هذا الانتقال بنحو 127 ألفًا، كما ظل عدد العمال "المحبطين من البحث" شبه مستقر عند 476 ألفًا.

- الأهم أن انتقال العاملين إلى البطالة انخفض بنحو 338 ألفًا، بما لا يتفق مع موجة تسريح واسعة، لكن انتقال العاطلين إلى العمل تراجع أيضًا بنحو 95 ألفًا؛ أي إن المشكلة تبدو في صعوبة العثور على وظيفة جديدة أكثر من فقد الوظائف القائمة.
- تدعم مؤشرات أخرى هذه القراءة، حيث أظهر أحدث مسح للوظائف الشاغرة 7.4 مليون فرصة عمل و5.3 مليون عملية تعيين، مقابل 1.8 مليون حالة تسريح وفصل، فيما ظلت طلبات إعانة البطالة الأولية قرب مستويات منخفضة تاريخيًا.
- باختصار، إنه سوق منخفض التوظيف ومنخفض التسريح؛ الموظف أقل عرضة لفقد وظيفته، لكنه أيضًا أقل قدرة على العثور سريعًا على وظيفة أخرى، والعامل أقل استعدادًا للاستقالة بحثًا عن فرصة أفضل.
معدل البطالة = نصف الحقيقة فقط
- حدث شيء مشابه في يونيو 2010، حين فقد الاقتصاد 125 ألف وظيفة، لكن البطالة هبطت إلى 9.5% من 9.7% مع تقلص قوة العمل بنحو 652 ألف شخص.
- لاحقًا، أوضح رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك "بن برنانكي" أن تراجع المشاركة كان عاملًا رئيسيًا وراء انخفاض البطالة.
- العكس ممكن أيضًا، ففي يونيو 2018 أضاف الاقتصاد 213 ألف وظيفة، ومع ذلك ارتفعت البطالة إلى 4% من 3.8%، مع دخول المزيد من الأشخاص إلى قوة العمل وارتفاع معدل المشاركة 0.2 نقطة مئوية.
- لهذا لا توجد دلالة اقتصادية ثابتة لمجرد اجتماع "وظائف أقل وبطالة أقل"، فقد يظهر المزيج أثناء التعافي، أو بسبب خروج أشخاص من قوة العمل، أو نتيجة اختلاف المسوح، لذا تظل الآلية أهم من الاتجاه.

هل تخفي البيانات شيئًا أسوأ؟
- هناك أسباب للحذر بالفعل، إذ لم يقتصر تقرير يوليو على خسارة 23 ألف وظيفة؛ فقد خُفضت تقديرات مايو ويونيو بنحو 103 آلاف وظيفة مجتمعة، فيما أصبحت وتيرة خلق الوظائف أضعف بكثير مما اعتاد عليه الاقتصاد خلال السنوات السابقة.
- كما ارتفع عدد العاملين بدوام جزئي لأسباب اقتصادية 123 ألفًا، بينما تشير معدلات التعيين والاستقالات المنخفضة إلى سوق فقد جانبًا من ديناميكيته.
- في المقابل، لا تشير البيانات إلى انهيار، حيث استقر معدل البطالة الموسع "U-6" عند 7.9%، ولم تتراجع ساعات العمل، فيما ارتفعت مشاركة الأمريكيين في سن 25 إلى 54 عامًا إلى 83.4% من 83.3%، وزادت نسبة العاملين منهم إلى السكان إلى 80.4% من 80.2%.
- هذا مهم لأن المشاركة الإجمالية تتأثر أيضًا بشيخوخة السكان وتقاعد جيل طفرة المواليد، فيما يشير الاحتياطي الفيدرالي إلى أن نمو العرض في سوق العمل يتباطأ كذلك بفعل تباطؤ الهجرة، وبالتالي لا يمكن تفسير كل انخفاض في المشاركة باعتباره يأسًا اقتصاديًا.
- حتى مؤشرات الركود لا تطلق إنذارًا حاليًا، فمؤشر "قاعدة ساهم" (Sahm Rule)، الذي يرصد ارتفاع البطالة مقارنة بأدنى مستوياتها الأخيرة، ظل بعيدًا للغاية عن عتبة 0.5 نقطة مئوية التي ترتبط تاريخيًا ببداية الركود.
ببساطة: ماذا حدث؟
- ربما يكون أغرب ما كشفه تقرير يوليو أن معدل البطالة لم يكن "مضللًا" بالمعنى البسيط، فصحيح أن انكماش قوة العمل خفضه حسابيًا، لكن الأدلة التفصيلية لا تدعم رواية أن العاطلين خرجوا جماعيًا من السوق بعدما فقدوا الأمل.
- الصورة الأدق لسوق العمل الأمريكي الآن هي حالة من الجمود النسبي: التوظيف ضعيف، والتنقل أقل، والعثور على فرصة أصعب، لكن الشركات لم تنتقل حتى الآن إلى موجة واسعة من تسريح العمال.

- هنا تكمن أهمية ما سيأتي، فإذا بدأت طلبات الإعانة والتسريحات في الصعود، وتراجعت ساعات العمل ومشاركة الفئة الأساسية، واستمرت عمليات تنقيح بيانات الوظائف السابقة بالخفض، ستتحول قصة "هدوء النشاط" سريعًا إلى شيء أكثر خطورة.
- أما إذا تعافى التوظيف وظلت عمليات التسريح محدودة واستمرت مشاركة الفئة الأساسية قوية، فقد يتبين أن مفارقة يوليو لم تكن أكثر من لقطة شهرية غريبة داخل سوق يتباطأ دون أن ينكسر.
- بالعودة إلى الغرفة ذات المئة شخص، لم يكن الخطأ في انخفاض معدل البطالة إلى 10.9% من 14.3%، فالحساب كان صحيحًا تمامًا، أما الخطأ فهو الاعتقاد بأن الرقم يخبرنا وحده بما حدث داخل الغرفة.
- لهذا ربما لا يكون السؤال الأهم في الولايات المتحدة اليوم: لماذا انخفضت البطالة رغم اختفاء الوظائف؟ بل: ماذا يحدث للأمريكي عندما يفقد وظيفته؟ وحتى الآن، يبدو أن الخطر الأكبر ليس أن يفقدها، وإنما أن يستغرق وقتًا أطول للعثور على الوظيفة التالية.
المصادر: أرقام- تقارير مكتب إحصاءات العمل- الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس- بيانات وتقارير الاحتياطي الفيدرالي- بيانات المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية في أمريكا
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}