في صباح 16 سبتمبر 1992، حاولت السلطات البريطانية الدفاع عن الجنيه الإسترليني داخل آلية أسعار الصرف الأوروبية، فرفعت سعر الإقراض الرسمي إلى 12%، وأعلنت أن 15% ستدخل حيز التنفيذ في اليوم التالي.

 

 

لكن التدخلات الضخمة في سوق الصرف لم تنجح في إبقاء الإسترليني فوق الحد المطلوب، وفي المساء علّقت بريطانيا عضويتها في الآلية، ولم تُنفذ زيادة الـ15% قط.

 

لم تكن السوق قد حصلت يومها على سلطة قانونية لتحديد السياسة النقدية، لكنها غيّرت طبيعة الاختيار، فالدفاع عن السعر لم يعد مجرد قرار نقدي، بل أصبح اختبارًا فوريًا للمصداقية.

 

وبعد أكثر من 3 عقود، يأتي قرار آخر في السادس عشر من سبتمبر، هذه المرة لا يوجد سعر صرف ثابت يدافع عنه الاحتياطي الفيدرالي، ولا تستطيع السوق إجباره ميكانيكيًا على شيء.

 

لكن رئيس البنك "كيفن وارش" يدخل الاجتماع بعد أن تعمّد الحد من التوجيه المستقبلي، طالبًا من المستثمرين تكوين توقعاتهم من البيانات والأسعار وليس عبر إشارات الفيدرالي.

 

وعلى عكس المتوقع من أن تكون هذه السياسة سببًا في ضبابية الأفق في السوق، أصبحت توقعات الأسواق نفسها شديدة الوضوح لدرجة قد تضع الفيدرالي في مأزق إذا خالفها.

 

فهل أصبح ثمن مخالفة السوق، بعد البيانات الأخيرة، مرتفعًا إلى درجة تجعل حتى تثبيت الفائدة هو القرار الذي يحتاج إلى دفاع استثنائي؟

 

 

الأسواق وضعت رهانها

 

- خلال تعاملات أمس الإثنين، ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات فوق 5% للمرة الأولى منذ أكتوبر 2023.

 

- في سوق العقود، تراوحت احتمالات رفع الفائدة 25 نقطة أساس بين 88% و93%، أي أن الرفع أصبح السيناريو المهيمن.

 

إشارات الأسواق والبيانات قبل قرار الفيدرالي المرتقب

 

الإشارة

القراءة الأخيرة

ما تعنيه

 

عائد السندات العشرية

أكثر من 5%

 14 سبتمبر

تشديد مالي + مخاطر تضخم + علاوة أجل ومخاطر مالية

احتمال رفع الفائدة

أكثر من 90%

14 سبتمبر

التثبيت سيكون مفاجأة للسوق

مؤشر أسعار المستهلكين (أغسطس)

0.4 % شهريًا

3.4 % سنويًا

تباطؤ التضخم لم يترسخ بعد

التضخم الأساس (أغسطس)

0.3 % شهريًا

2.4 % سنويًا

التضخم الأساسي ما زال أعلى من هدف 2%

الوظائف غير الزراعية

(أغسطس)

+162 ألفًا

سوق العمل لم تهدأ

البطالة

(أغسطس)

4.1 %

لا توجد حتى الآن ضرورة واضحة للتيسير

مؤشر أسهم أشباه الموصلات (SOX)

-5.9 %

14 سبتمبر

ضغط حاد داخل قطاع التكنولوجيا، لكنه ليس انهيارًا شاملًا

الذهب

-1.3 %

4352 دولارًا للأوقية*

ارتفاع العوائد والدولار يقلص جاذبية الأصل غير المدر للعائد

برنت

+1 %

فوق 105 دولارات للبرميل*

صدمة طاقة تُبقي مخاطر التضخم قائمة

* إغلاق جلسة الإثنين 14 سبتمبر

 

- الأهم أن الإجماع لم يعد سوقيًا فقط، فبعد تقرير التضخم، تحولت مؤسسات كبرى مثل "جولدمان ساكس" و"جيه بي مورجان" و"إتش إس بي سي" و"دويتشه بنك" إلى توقع رفع ربع نقطة.

 

- أيضًا في استطلاع لـ"رويترز"، توقع 86 من 101 اقتصادي، رفع النطاق المستهدف للفائدة من 3.50% و3.75% إلى 3.75% و4.00%، والمفارقة أنه قبل أسبوع فقط، كانت أغلبية تزيد على الثلثين تتوقع التثبيت.

 

 

هنا يبدأ اختبار وارش الحقيقي

 

- في جاكسون هول يوم 28 أغسطس، لم يقل "وارش" إن السوق ينبغي أن "توجّه الفيدرالي" قال شيئًا أدق، وهو أن الفيدرالي يحتاج إلى إشارات سوقية "غير مفلترة" قدر الإمكان، بينما ينبغي للمستثمرين أن يستخلصوا توقعاتهم بأنفسهم من الاقتصاد، لا أن ينتظروا من البنك المركزي الصفقة التالية.

 

- كما حذّر من "قاعة المرايا"، فإذا اعتمدت السوق على إشارات الفيدرالي، ثم اعتمد الفيدرالي على أسعار السوق الناتجة عن تلك الإشارات، يصبح كل طرف في النهاية يقرأ انعكاس الطرف الآخر بدلًا من الاقتصاد.

 

- الفكرة لها أساس أكاديمي واضح؛ فقد أظهر الباحثان "ستيفن موريس" و"هيون سونغ شين" أن المعلومات العامة قد تصبح أداة تنسيق قوية إلى درجة تدفع المشاركين أحيانًا بعيدًا عن المعلومات الأساسية الخاصة بهم.

 

- بمعنى أن المعلومة العامة قد تطغى على المعلومات الخاصة: حين يعرف الجميع رقمًا واحدًا، قد يصبح الرقم مهمًا للسوق ليس فقط لأنه صحيح، بل لأن الجميع يتوقع أن الآخرين سيتصرفون بناءً عليه.

 

- لكن تجربة "وارش" تواجه الآن نسخة معكوسة من المشكلة؛ فمع تقليص الإشارات، اضطرت السوق إلى تكوين توقعاتها بنفسها، وبعد بيانات التضخم والنفط والتوظيف، كوّنت سعرًا يقول إن الرفع هو الاحتمال الغالب.

 

- إذا أخذ الفيدرالي تلك الأسعار كإشارة مهمة، وبالنظر إلى الثقة الكبيرة التي يضعها الرئيس "دونالد ترامب" في "وارش" من أجل "خفض الفائدة" يصبح السؤال: متى تتحول "قراءة السوق" إلى قيد صنعته السوق بنفسها؟

 

- يزداد القيد لأن عائد العشر سنوات ليس مجرد توقع لسعر الفائدة المقبل، فصعوده يعكس أيضًا علاوة الأجل، والعجز المالي، وكثافة إصدار السندات الحكومية وسندات الشركات الممولة لطفرة الذكاء الاصطناعي.

 

- لذلك لا يمكن قراءة حاجز 5% كاستفتاء نقي على اجتماع الأربعاء، لكنه يقول إن البيئة التي سيتخذ فيها القرار أصبحت أقل تسامحًا مع أي إشارة تبدو متراخية تجاه التضخم.

 

 

هل الرفع أصبح "تحصيل حاصل"؟

 

- "راسل براونباك" نائب مدير الاستثمار للدخل الثابت العالمي في "بلاك روك" لا يرى أن الاقتصاد يحتاج إلى رفع جديد للفائدة الآن، وحجته أن قطاعات حساسة للفائدة، وعلى رأسها الإسكان، ضعيفة بالفعل.

 

- كما يعتقد أن جزءًا من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يعكس اقتصادًا أكثر صلابة لا فقدانًا للسيطرة على التضخم.

 

- "جولدمان ساكس" نفسه، رغم توقعه لرفع الفائدة، قال إن الخطوة المتوقعة مدفوعة بتسعير السوق أكثر مما تبرره أساسيات التضخم وحدها.

 

- هذه نقطة مهمة؛ لأنها تجعل عبارة "تحصيل حاصل" أقوى مما تسمح به الأدلة، لكنها "ربما" تعني أيضًا أن الأسواق "قد تفرض كلمتها" في نهاية المطاف.

 

الفارق بين لندن 1992 وواشنطن 2026

 

- في عام 1992 كان هناك حد صريح للجنيه الإسترليني ينبغي الدفاع عنه، وعندما فشل الدفاع، انهار الإطار نفسه، أما الفيدرالي اليوم فغير مقيد بعائد 5% ولا باحتمال 90% ولهذا يستطيع "وارش" أن يثبت الفائدة يوم الأربعاء.

 

- لكن القدرة لا تعني دائمًا الاستطاعة، فبعد أن شدد "وارش" على أن التضخم مسؤولية البنك المركزي، وبعد بيانات التضخم وسوق العمل الأخيرة، إلى جانب ارتفاع النفط فوق 100 دولار، سيحتاج إلى تفسير مقنع لمخالفة توقعات السوق.

 

- هنا يأتي الخطر الحقيقي، فبعض مستثمري السندات يحذرون بالفعل من أن عدم الرفع قد يدفع عوائد السندات طويلة الأجل إلى أعلى إذا فُسر باعتباره ضعفًا في التزام الفيدرالي بهدف 2% المعلن.

 

 

- لهذا يبدو أن الأسواق قالت كلمتها في تحديد المفاجأة، لا في تحديد القرار، بمعنى أن رفع الفائدة 25 نقطة أساس أصبح الحالة الأساسية، ورغم أن التثبيت ليس مستحيلًا، فإنه أصبح الحدث الذي سيطالب السوق بتبرير قوي لقبوله.

 

- المفارقة هي أن الرجل الذي أراد "فيدرالي أقل كلامًا" قد يكتشف يوم الأربعاء أن "الصمت لا يلغي التوجيه"، لكنه أحيانًا ينقل مصدره فقط من منصة البنك المركزي إلى شاشة الأسعار.

 

المصادر: أرقام- رويترز- ياهو فايننس- أرشيف بنك إنجلترا- الاحتياطي الفيدرالي- مكتب احصاءات العمل الأمريكي- فايننشال تايمز- ورقة بحثية بعنوان "Social Value of Public Information"

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.