في لحظةٍ تبدو فيها البشرية مسحورةً بوعود الذكاء الاصطناعي، وتُضخّ فيها تريليونات الدولارات بحثاً عن قفزة إنتاجية جديدة، يطلّ علينا اكتشافٌ مدهش يذكّرنا بأن أعظم التحولات لا تأتي دائماً من التقنيات الحديثة.

 

بينما تتجه الأنظار نحو مستقبل رقمي معقّد، تكشف الأبحاث أن تقنية عمرها نحو 700 عام — هي النظارات الطبية — قد تحمل مفتاحاً سريعاً وفعّالاً لرفع الإنتاجية وتحسين حياة ملايين العمال حول العالم بتكلفة زهيدة للغاية.

 

 

نظارة طبية

 

في الوقت الذي تشير فيه التقديرات إلى أن الإنفاق العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى 2.5 تريليون دولار بحلول عام 2026، تظهر دراسة علمية حديثة أن استثماراً بسيطاً لا يتجاوز بضعة دولارات في نظارة طبية يمكن أن يحدث فرقاً ملموساً في الإنتاج الاقتصادي، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على الرؤية القريبة مثل الصناعات اليدوية، الزراعة، والخياطة، خاصة في الدول منخفضة الدخل.

 

توصلت الدراسة التي نُشرت في المجلة البريطانية لطب العيون إلى نتائج لافتة، حيث أظهرت أن عمال مصانع الخياطة الذين يعانون من طول النظر المرتبط بالتقدم في العمر، والمعروف بضعف الرؤية القريبة، تمكنوا بعد حصولهم على نظارات طبية من إنجاز مهامهم بشكل أسرع وبعدد أقل من الأخطاء.

 

وقد انعكس ذلك مباشرة في تقليل الهدر وزيادة الإنتاجية بنسبة وصلت إلى 6%، وهي نسبة تبدو صغيرة لكنها، عند تعميمها على قطاع عالمي ضخم مثل صناعة النسيج والملابس، يمكن أن تضيف ما يقارب 27 مليار دولار سنوياً إلى الناتج الاقتصادي العالمي.

 

التجارب العشوائية

 

تعد الدراسة، التي حملت اسم "بروسبر 2"  PROSPER II، من أوائل التجارب العشوائية المحكمة التي تُجرى داخل بيئة المصانع، وقد كشفت أن نحو 27% من العاملين في خطوط إنتاج الخياطة كانوا يعانون من ضعف في الرؤية القريبة دون امتلاكهم لنظارات تصحيحية، ما يعني أن جزءاً كبيراً من القوة الإنتاجية كان يعمل بأقل من طاقته الحقيقية.

 

ما يميز هذا التدخل الصحي أنه بالغ الانخفاض في التكلفة مقارنة بالعائد. إذ إن التكلفة الإجمالية لتوفير الفحوصات البصرية والنظارات ودعم الالتزام باستخدامها لا تتجاوز 10 دولارات لكل عامل، بينما أظهر التحليل الاقتصادي أن كل دولار يُستثمر في هذا المجال يحقق عائداً قدره 3.37 دولار خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أشهر فقط، أي عائد استثماري يصل إلى 337%.

 

مزارع الشاي

 

ولا تقتصر آثار النظارات على قطاع المصانع فقط. ففي مزارع الشاي في ولاية آسام الهندية، ارتفعت إنتاجية العمال بنسبة 22% بعد تزويدهم بنظارات طبية.

 

وفي دراسة أخرى أجريت في المناطق الريفية في بنغلاديش، تبين أن استخدام نظارات القراءة أدى إلى زيادة دخل الأفراد بنسبة 33% عبر مجموعة واسعة من المهن، إضافة إلى تحسن ملحوظ في جودة الحياة والشعور بالاستقلالية والقدرة على أداء المهام اليومية بسهولة أكبر.

 

تشير هذه النتائج مجتمعة إلى حقيقة اقتصادية مهمة: تصحيح ضعف البصر ليس مجرد تدخل صحي، بل هو أداة إنتاجية مباشرة يمكن أن تُستخدم في مختلف القطاعات التي تعتمد على الرؤية الدقيقة، سواء في العمل اليدوي أو الزراعي أو حتى في الوظائف التي تعتمد على الشاشات الرقمية.

 

ورغم هذا الوضوح في النتائج، لا يزال هناك ما يقرب من 1.1 مليار شخص حول العالم يعانون من ضعف بصري يمكن تجنبه أو تصحيحه، ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية عالمية تُقدَّر بنحو 447 مليار دولار سنوياً نتيجة انخفاض الإنتاجية.

 

 

فرصة غير مستغلة

 

من هذا المنطلق، ترى مؤسسات بحثية وشركات عاملة في قطاع صحة العيون أن هناك فرصة اقتصادية وتنموية ضخمة غير مستغلة. فتكلفة التدخل منخفضة للغاية مقارنة بالعائد الاقتصادي والاجتماعي، ومع ذلك لا تزال برامج تصحيح البصر لا تحظى بالأولوية الكافية في سياسات الدول أو استراتيجيات الشركات.

 

وقد بدأت بعض التجارب العملية في إثبات جدوى هذا النهج. فإحدى الشركات الكبرى في قطاع النسيج في الهند، والتي تضم أكثر من 100 ألف عامل، أطلقت برامج لفحص النظر وتوفير النظارات مجاناً لجميع العاملين، بعد مشاركتها في الدراسات الميدانية التي أثبتت الأثر المباشر على الإنتاجية.

 

أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن دولاً مثل بنغلاديش، حيث يشكل قطاع الملابس أكثر من 80% من عائدات التصدير، يمكن أن تستفيد بشكل كبير من تعميم هذه المبادرات، خصوصاً في ظل الضغوط التي يواجهها هذا القطاع من ارتفاع التكاليف وتزايد المنافسة العالمية.

 

صحة العينين

 

إن الاستثمار في صحة العينين لم يعد مجرد خيار اجتماعي أو صحي، بل أصبح أداة اقتصادية استراتيجية قادرة على دعم النمو، وزيادة الإنتاج، وتحسين جودة الحياة في آن واحد.

 

على المستوى السياسي والاقتصادي الأوسع، يطرح هذا النوع من التدخل البسيط سؤالاً مهماً حول أولويات الاستثمار في التنمية.

 

في الوقت الذي تُخصص فيه الحكومات والشركات ميزانيات ضخمة لتبني تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة، قد يتم تجاهل فرص منخفضة التكلفة وعالية العائد مثل برامج تصحيح البصر داخل أماكن العمل.

 

هذه الفجوة بين الإنفاق على الابتكار الرقمي وبين الاستثمار في الصحة الأساسية للعمال تعكس أحياناً سوء توزيع للموارد، أكثر مما تعكس نقصاً في الحلول.

 

 

خدمات فحص النظر

 

إن دمج خدمات فحص النظر وتوفير النظارات ضمن بيئات العمل يمكن أن يتحول إلى سياسة إنتاجية شاملة، لا تقتصر على تحسين أداء الأفراد فحسب، بل تمتد إلى تقليل معدلات الأخطاء، وخفض الهدر في المواد الخام، وتعزيز استقرار القوى العاملة.

 

كما أن تبني الشركات لهذا النهج يمكن أن يصبح جزءاً من استراتيجيات المسؤولية الاجتماعية، حيث يجتمع البعد الإنساني مع العائد الاقتصادي المباشر.

 

ومن زاوية أوسع، فإن إدخال تحسينات صغيرة على القدرات البشرية الأساسية، مثل الرؤية، يعيد تعريف مفهوم الإنتاجية ذاته.

 

بدلاً من التركيز فقط على زيادة سرعة الآلات أو تعقيد البرمجيات، يصبح الاستثمار في الإنسان نفسه هو نقطة الانطلاق الحقيقية لأي نمو مستدام.

 

وهذا ما يجعل النظارات، رغم بساطتها، مثالاً واضحاً على كيف يمكن لتقنية قديمة أن تظل قادرة على تغيير الاقتصاد الحديث إذا أُعيد توظيفها بالشكل الصحيح.

 

التحديات التنموية

 

كما أن هذه النتائج تفتح الباب أمام إعادة التفكير في كيفية مواجهة التحديات التنموية في الدول منخفضة الدخل، حيث قد تكون العوائق الأساسية أمام النمو ليست نقص التكنولوجيا المتقدمة، بل ضعف الوصول إلى حلول صحية أساسية.

 

ومن هنا، فإن تعميم مبادرات صحة العين يمكن أن يمثل خطوة سريعة وفعالة نحو تحسين الإنتاجية وتقليل الفقر في الوقت نفسه.

 

وفي نهاية المطاف، فإن الرسالة التي تبرز من هذه الأبحاث تتجاوز مجرد تحسين أداء العمال، لتصل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الصحة والاقتصاد. فكل تحسن بسيط في القدرات البشرية يمكن أن ينعكس بشكل مضاعف على الاقتصاد الكلي، وكل استثمار صغير في الإنسان قد يتحول إلى قيمة مضافة كبيرة على مستوى المجتمعات والدول.

 

المصدر: "المنتدى الاقتصادي العالمي"

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.