لماذا لا يؤمن جيل زد بالادخار؟
في الوقت الذي كانت فيه الأجيال السابقة تنظر إلى الادخار والاستثمار طويل الأجل باعتبارهما الطريق التقليدي لبناء الثروة، يبدو أن جيلاً جديداً في الولايات المتحدة يعيد تعريف قواعد اللعبة بالكامل.
بالنسبة لكثير من جيل «زد» (18–27 عاماً)، لم تعد المعادلة المالية الكلاسيكية مقنعة، بل باتت أقرب إلى نظام لا يكافئ الجهد بقدر ما يعمّق الفجوة بين الحلم والواقع.
وبين ديون مرتفعة للبعض، وأجور راكدة، وأسعار مساكن خارجة عن القدرة، يظهر سلوك مالي غير تقليدي يقوم على المخاطرة العالية والرهان على بدائل مثل العملات المشفرة وأسواق التوقعات.

جيل يقرأ الأرقام بطريقة مختلفة
وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال لا تزال الأجور الحقيقية شبه ثابتة؛ إذ ارتفع متوسط دخل حاملي الشهادات الجامعية بعد تعديل التضخم من نحو 58,138 دولاراً عام 1990 إلى حوالي 60,000 دولار فقط اليوم.
في الوقت ذاته، يبلغ معدل البطالة بين الشباب 8.3% في أمريكا، وهو ضعف المتوسط الوطني، وهو ما ينطبق على الكثير من الدول أيضًا ومن المتوقع تفاقمه مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، فيما تشير التقديرات إلى أن نصف الخريجين الجدد تقريباً يعملون في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم.
أما الديون الشخصية، فهي تمثل عبئاً متزايداً، إذ تشير البيانات إلى أن 46% من جيل زد سحبوا بالفعل من مدخرات التقاعد، وأن 42% منهم استخدموا تلك المدخرات لتسديد الديون.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الجيل الشاب لا يتعامل مع النظام المالي باعتباره فرصة مستقرة، بل كمنظومة لا تمنحه عائداً عادلاً على المدى الطويل.
انهيار الحلم التقليدي للملكية
أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول هو أزمة السكن. ففي عام 1990 كان متوسط سعر المنزل في الولايات المتحدة يعادل 3.2 أضعاف متوسط الدخل، بينما وصل اليوم إلى نحو 5 أضعاف، ويقترب من 8 أضعاف بالنسبة للفئة العمرية بين 20 و34 عاماً.
هذا الارتفاع الحاد جعل امتلاك المنزل، وهو حجر الأساس في بناء الثروة التقليدية، هدفاً بعيد المنال لكثير من الشباب. ونتيجة لذلك، بدأت مفاهيم مثل «الاستثمار الآمن» و«التخطيط طويل الأجل» تفقد جاذبيتها لدى شريحة واسعة من هذا الجيل.
ما هي «العدمية المالية»؟
يصف مصطلح «العدمية المالية» (Financial Nihilism) حالة من فقدان الثقة في أن النظام الاقتصادي يكافئ القرارات المالية التقليدية مثل الادخار والاستثمار طويل الأمد.
وبدلاً من ذلك، يتجه الأفراد إلى سلوكيات أكثر مخاطرة، مثل الاستثمار في العملات المشفرة، أو المضاربة في أسواق التوقعات، أو حتى سحب مدخرات التقاعد لتسديد الديون.
وتشير دراسة مشتركة لجامعتي شيكاغو ونورثويسترن إلى أن انخفاض احتمالات امتلاك منزل يرتبط مباشرة بتغير السلوك المالي، حيث يميل الأفراد إلى زيادة الاستهلاك مقارنة بثرواتهم، والاتجاه نحو استثمارات أكثر خطورة.
العملات المشفرة بدل الحسابات التقاعدية
تظهر الأرقام أن هذا التحول ليس نظرياً فقط. فحوالي 42% من مستثمري جيل زد يمتلكون العملات المشفرة، مقارنة بـ11% فقط يمتلكون حسابات تقاعد تقليدية. كما أظهرت بيانات أن ما يقارب واحداً من كل خمسة مستثمرين تحت سن 30 لا يمتلك أي أصول مالية سوى العملات الرقمية.
وفي الوقت ذاته، تضاعف حجم التداول في أسواق التوقعات خلال السنوات الأخيرة، مع مشاركة أو اهتمام نحو ثلث مستثمري جيل زد بهذه الأدوات المالية غير التقليدية.
هذه المؤشرات تعكس تحولاً في فلسفة التعامل مع المال، حيث لم يعد الهدف هو النمو البطيء المستقر، بل محاولة تحقيق قفزات سريعة في الثروة ضمن نظام يُنظر إليه على أنه غير عادل بطبيعته.

أكثر من مجرد ظاهرة عمرية
تكمن أهمية هذا التحول في أن جيل زد يمثل واحدة من أكبر الفئات السكانية في العالم، ومن المتوقع أن يشكل نحو 30% من سكان العالم خلال العقد المقبل. وهذا يعني أن سلوكهم المالي لن يكون هامشياً، بل مؤثراً في تشكيل الاقتصاد العالمي.
لكن هذا يطرح سؤالاً محورياً: ماذا يحدث عندما تصبح شريحة كبيرة من السكان تعتمد على أصول مالية عالية المخاطر مثل العملات المشفرة بدلاً من الأدوات التقليدية التي صُمم عليها النظام الاقتصادي؟
تحديات أمام السياسة النقدية
تعتمد السياسات النقدية التقليدية على نموذج يفترض أن الأسر تمتلك رهوناً عقارية، ومدخرات في الأسواق المالية، واستجابة مباشرة لتغير أسعار الفائدة. لكن مع تزايد عدد الشباب الذين لا يمتلكون منازل ولا استثمارات تقليدية، تصبح فعالية أدوات البنوك المركزية أقل وضوحاً.
إذا كانت الفائدة ترتفع أو تنخفض، فإن جزءاً متزايداً من هذا الجيل لا يتأثر مباشرة بهذه التغيرات، لأنه ببساطة لا يملك الأصول التي تستجيب لها.
ومع توقع وصول الدخل الإجمالي لجيل زد إلى نحو 9 تريليونات دولار حالياً وارتفاعه إلى 74 تريليون دولار بحلول 2040، يصبح هذا التحول عاملاً أساسياً في مستقبل الاقتصاد العالمي، وليس مجرد سلوك شبابي عابر.
"التحويل الكبير للثروة".. سردية لا تشمل الجميع
غالباً ما يُطرح ما يُعرف بـ«التحويل الكبير للثروة» كحل محتمل لتخفيف فجوة الثروة بين الأجيال، حيث يُتوقع انتقال ما بين 68 و84 تريليون دولار من جيل «البيبي بومرز» إلى الأجيال الأصغر خلال العقدين المقبلين.
لكن الصورة أكثر تعقيداً. فحوالي 56% من هذه الثروة سيذهب إلى أعلى 10% من الأسر، بينما لا يحصل النصف الأدنى من السكان إلا على 8% فقط. وفي حال استبعاد الشريحة الأعلى ثراءً، فإن متوسط الميراث لبقية السكان يقترب من الصفر.
هذا يعني أن غالبية جيل زد لن يستفيد من هذا التحول بالشكل الذي يُروّج له، بل سيظل خارج دائرة التملك الفعلي للأصول الرئيسية مثل العقارات.

انقسام اقتصادي متزايد داخل الجيل الواحد
المفارقة الأهم أن هذا التحول قد يؤدي إلى انقسام داخلي داخل الجيل نفسه. ففئة صغيرة تحصل على دعم عائلي يسمح لها بدخول سوق العقارات والاستفادة من تراكم الثروة عبر الزمن، بينما تبقى الغالبية خارج هذا المسار.
وبذلك، يتشكل اقتصاد مزدوج داخل الجيل الواحد: مجموعة تمتلك القدرة على الادخار والاستثمار التقليدي، وأخرى تجد نفسها مضطرة للبحث عن طرق بديلة – وغالباً أكثر مخاطرة – لتحقيق الصعود المالي.
حين يصبح الرهان بديلاً عن الادخار
في ظل هذا الواقع، يبدو أن الاتجاه نحو الاستثمار عالي المخاطر ليس مجرد سلوك عشوائي، بل نتيجة حسابات عقلانية ضمن نظام لا يوفر فرصاً متكافئة. فحين تصبح تكلفة الدخول إلى السوق التقليدية مرتفعة جداً، يصبح البحث عن بدائل أكثر مخاطرة خياراً منطقياً للبعض، حتى لو بدا غير تقليدي.
لا يتعلق التحول في سلوك جيل زد المالي بمجرد تغير في العادات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والنظام الاقتصادي. وبينما يرى البعض أن هذا الجيل «يراهن» على مستقبل مجهول، يرى آخرون أنه يتصرف بشكل عقلاني داخل نظام لم يعد يمنحه نفس الفرص التي أتاحتها للأجيال السابقة.
وفي النهاية، يظل التحدي الأكبر أمام السياسات الاقتصادية والتعليم المالي والتنظيمات المالية هو كيفية التعامل مع جيل لا يثق تماماً في قواعد اللعبة القديمة، ويحاول بدلاً من ذلك كتابة قواعده الخاصة – حتى لو كانت أقرب إلى الرهان منها إلى الادخار التقليدي.
المصدر: "المنتدى الاقتصادي العالمي"
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}