تخيل أنك تدخل متجرًا لشراء منتج اعتدت أن تجده في ثوان، فتبحث عنه بعينيك بين الرفوف فلا تجده، ثم تفتش مرة أخرى، قبل أن تلتقط عبوة أخرى ظنًا أن منتجك المفضل لم يعد موجودًا.

 

هذا بالضبط ما حدث لملايين الأمريكيين عام 2009، عندما اختفت البرتقالة الشهيرة التي زينت عبوات العلامة التجارية لعصير الفاكهة "تروبيكانا" لسنوات، لم يتغير العصير، ولم تتبدل مكوناته، لكن الشركة ارتكبت خطأ أكثر خطورة، إذ جعلت عملاءها يشعرون وكأن منتجهم المفضل اختفى من أرفف المتاجر المزدحمة.

 

 

التضحية بالهوية

في مطلع عام 2009، كانت "تروبيكانا" تتمتع بحضور قوي في سوق عصائر البرتقال، إذ كان منتجها الأكثر شهرة "بيور بريميوم" يحقق مبيعات سنوية تتجاوز 700 مليون دولار في أمريكا الشمالية.

 

لكن "بيبسيكو"، المالكة للعلامة التجارية آنذاك، رأت أن الوقت قد حان لتحديث الهوية البصرية، فأطلقت حملة تسويقية ضخمة تحت شعار "اعصره.. إنه طبيعي"، مدعومة باستثمارات بلغت نحو 35 مليون دولار بين الإعلانات والترويج داخل المتاجر.

 

كان الهدف من هذا التغيير، ببساطة، منح العلامة التجارية مظهرًا أكثر حداثة، لكن النتيجة جاءت بعيدة تمامًا عن التوقعات، لأن التغيير لم يكن مجرد تعديل في شكل العبوة، بل عملية استبدال شبه كاملة لهوية بصرية رسخت في أذهان المستهلكين.

 

 

 اختفاء البرتقالة

اختفت صورة البرتقالة الشهيرة التي تخترقها شفاطة، والتي كانت ترمز إلى النضارة والطبيعة والعصير الطازج، وحل محلها كوب عصير عادي، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شمل التغيير كل شيء دفعة واحدة: الشعار، ونوع الخط، وشكل العبوة البلاستيكية وغطائها الذي كان يشبه التاج.

 

 إلى جانب تقليص حجم العبوة، ورغم توصيات الشركة بتخفيض السعر ليتناسب مع الحجم الجديد، لم تلتزم بعض المتاجر بذلك، ما ولد شعورًا لدى المستهلكين بالإحباط والاستغلال، كما بدا التصميم الجديد باهتًا وقبيحًا في نظر كثيرين، مما جعل علامة تجارية فاخرة تبدو وكأنها منتج اقتصادي رخيص.

 

 

صعوبة التعرف على المنتج

بعد طرح العبوات الجديدة، ظهرت المشكلة سريعًا، إذ دخل المستهلكون المتاجر ولم يتعرف كثير منهم على المنتج، بعضهم مر أمامه دون أن ينتبه إليه، وآخرون اعتقدوا أن الشركة أوقفت المنتج القديم أو غيرت مكوناته.

 

وفي غضون أسابيع قليلة، تراجعت المبيعات بنحو 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يعادل خسائر قاربت 30 مليون دولار.

 

ولم يتوقف الضرر عند هذا الحد، إذ فقدت "تروبيكانا" نحو 4% من حصتها السوقية لصالح منافسين، أبرزهم "سيمبلي أورانج" التابعة لـ "كوكاكولا"، التي استفادت من ارتباك العملاء واتجاههم إلى بدائل أخرى.

 

 

فيما أخطأت تروبيكانا؟

يكمن الخطأ الاستراتيجي لـ "تروبيكانا" في تجاهلها للرابط العاطفي العميق بين المستهلك والعبوة الأصلية، وكما يوضح أستاذ إدارة الأعمال بجامعة هارفارد "جيرالد زالتمان"، فإن 95% من قرارات الشراء تتخذ بصورة لاشعورية، فالعاطفة هي المحرك الحقيقي للسلوك الاستهلاكي.

 

كما أخطأت الشركة حين غيّـرت جميع العناصر البصرية دفعة واحدة، دون مراعاة ردود فعل عملائها المخلصين، متناسية أن المستهلك شديد الحساسية تجاه أبسط التغييرات التي تمس علامته المفضلة.

 

 

الرضوخ لمطالب العملاء

لم تستطع الشركة تجاهل موجة الغضب، خاصة بعدما انهالت الشكاوى عبر المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، وتزايدت مطالب العملاء بعودة العبوة القديمة.

 

وبعد أقل من شهرين على إطلاق التصميم الجديد، أعلنت "تروبيكانا" خطتها للتراجع والعودة إلى هويتها الأصلية، في واحدة من أسرع عمليات التراجع عن إعادة تصميم العلامات التجارية في التاريخ.

 

وفي غضون أشهر قليلة، عادت العبوات القديمة نهائيًا إلى جميع رفوف المتاجر الكبرى، وتشير التقديرات إلى أن تكلفة هذه المغامرة، بين خسائر المبيعات والإنفاق التسويقي وتكاليف إعادة الطباعة والتوزيع، بلغت نحو 50 مليون دولار.

 

تبقى قصة "تروبيكانا" درسًا يؤكد أن إعادة التصميم ليست مجرد تغيير في الألوان والخطوط، بل مخاطرة كبيرة، فمتى ما نجحت أنعشت الشركات، ومتى ما تجاهلت مشاعر المستهلكين، كلّفت ملايين الدولارات وأفقدت العلامة التجارية جزءًا من مصداقيتها.

 

المصادر: أرقام – سي إن بي سي – سي إن إن - "ذا براندينج جورنال" – كتاب "كيف يفكر العملاء:رؤى أساسية في عقل السوق"

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.