على مدى عقدين من الزمن، كانت أسهم "بيركشاير هاثاواي" التي يوقّعها "وارن بافت" كل صيف تتدفق نحو مؤسسة "بيل وميليندا جيتس" الخيرية، في مشهد تكرر بانتظام حتى أصبح جزءًا من طقوس العطاء الأمريكي.

 

 لكن هذا الصيف، وللمرة الأولى منذ عام 2006، لم يصل دولار واحد من "الرجل الأكثر سخاءً" في وول ستريت إلى خزائن المؤسسة التي طالما اعتبرها شريكًا في تغيير العالم، ولم يكن هذا القرار مجرد تعديل مالي عابر، بل إعلانًا صامتًا عن نهاية واحدة من أقوى الصداقات التي عرفها عالم الأعمال والعمل الخيري.

 

 

حين جمعهما العطاء

لم تكن العلاقة بين المليارديرين مجرد تعاون خيري، بل كانت صداقة شخصية وثيقة، فقد كانا يقضيان الإجازات معًا، ويتحدثان باستمرار، كما تبادلا العضوية في مجالس الإدارة، إذ شغل "جيتس" مقعدًا في مجلس إدارة "بيركشاير هاثاواي" لسنوات، بينما انضم "بافت" إلى مجلس أمناء مؤسسة "جيتس".

 

في عام 2006، فاجأ "بافت" العالم بإعلان التزام "لا رجعة فيه" يقضي بالتبرع سنويًا بأسهم من "بيركشاير هاثاواي" إلى مؤسسة بيل وميليندا جيتس، ما دام بيل أو ميليندا على قيد الحياة ويشاركان بفاعلية في إدارة المؤسسة.

 

وجاء القرار آنذاك تعبيرًا عن ثقة كبيرة في قدرة المؤسسة على إدارة الأموال وتحقيق أثر عالمي في مجالات الصحة والتعليم ومكافحة الفقر، لتصبح مؤسسة "جيتس" الوجهة الرئيسية لأكبر تبرعات بافيت السنوية.

 

وأثمر هذا التحالف التاريخي، إلى جانب إطلاقهما مبادرة "تعهد العطاء" عام 2010، عن تدفق ما يقرب من 48 مليار دولار إلى المؤسسة، وفقًا لقيمة الأسهم وقت التبرع بها، بينما تُقدر قيمتها الحالية بنحو 159 مليار دولار.


 

بوادر الشقوق

ثم بدأت بوادر الفتور تتسلل إلى هذه الصداقة المتينة، وكان خروج "جيتس" من مجلس إدارة "بيركشاير" عام 2020 أول مؤشر ملموس على أن العلاقة التي جمعت المليارديرين منذ التسعينيات، بدأت تفقد بريقها.

 

وفي عام 2021، استقال "بافت" من مجلس أمناء مؤسسة "جيتس"، بعد أشهر فقط من إعلان بيل وميليندا إنهاء زواجهما الذي دام 27 عامًا، ورغم استمراره في ضخ المليارات سنوياً آنذاك، فإن الروابط الشخصية والمهنية بين الصديقين المقربين كانت قد بدأت تتآكل بالفعل.

 

إلا أن هذه التطورات لم تكن كافية وحدها لإنهاء العلاقة، إذ جاءت قضية أخرى أكثر حساسية لتدفعها إلى نقطة اللاعودة، إذ كشفت ملفات "جيفري إبستين" أواخر عام 2025 صلة "جيتس" بالمُدان في قضايا اعتداءات جنسية، بعدما التقاه عام 2011 بحثًا عن تمويل لمشروعات تتعلق بالصحة العالمية، وهو ما ألقى بظلاله الثقيلة على سمعة المؤسسة.

 

أقر الشريك المؤسس لـ "مايكروسوفت" أمام لجنة تحقيق بأنه "ما كان ينبغي أن ألتقي بـ "إبستين" من الأساس"، نافيًا في الوقت نفسه أي علم بجرائمه.

 

أما "بافت" – المعروف بحرصه الشديد على النزاهة المطلقة لسمعته وصورة شركته – فقد نأى بنفسه تمامًا عن القضية، وأكد "حكيم أوماها" بحسم أنه لم يلتقِ بـ "إبستين" قط، كما أعلن، في مارس الماضي، أنه لم يتحدث مع "جيتس" منذ أشهر، وأنه لا يريد التورط في أي أمر قد يخضع للتحقيق لاحقًا.

 

 

الثروة في يد العائلة

في عام 2024، كان "بافت" قد لمّح إلى تغيير جذري عندما صرّح بأن "مؤسسة جيتس لن تتلقى أي أموال بعد وفاته"، معدّلًا وصيته ليجعل أبناءه الثلاثة أمناء على صندوق خيري يحتفظ بأكثر من 99% من ثروته.

 

 لكن إعلانه هذا الأسبوع سرّع تنفيذ هذه الخطة قبل الأوان، إذ وجّه بافت نحو 6 مليارات دولار من أسهم مجموعته الاستثمارية إلى أربع مؤسسات تابعة لعائلته فقط، دون أن يذكر اسم مؤسسة "جيتس" ولو مرة واحدة في بيانه الرسمي، وأرجع هذا القرار إلى إطلاعه بعناية على المعلومات المتوفرة حول علاقة "جيتس" بـ "إبستين".

 

كما أعلن رغبته في التبرع بكامل أسهمه المتبقية، بحلول نهاية 2034، لتذهب بالكامل إلى المؤسسات الأربع التابعة لعائلته، منهياً عمليًا التعهد الذي قطعه لمؤسسة جيتس قبل نحو عشرين عامًا.

 

 

رغم انتهاء الشراكة الخيرية بين الرجلين، فإن ذلك لا يعني نهاية إرثهما في العمل الإنساني، فمؤسسة "جيتس" تمتلك وقفًا تتجاوز قيمته 89 مليار دولار، بينما تعهد "جيتس" بإنفاق أكثر من 200 مليار دولار عبر المؤسسة بحلول عام 2045.

 

أما بافيت، الذي تعهد بالتبرع بأكثر من 99% من ثروته – التي تقدر حاليًا عند 147 مليار دولار - فقد اختار أن تنتقل المرحلة الأخيرة من عطائه إلى مؤسسات تحمل اسم عائلته، وهكذا، أُغلقت صفحة واحدة من أشهر التحالفات الخيرية في العالم، ليس لأن العطاء توقف، بل لأن وجهته تغيرت.

 

المصادر: أرقام – "بارونز" – سي إن بي سي – فوربس – وول ستريت جورنال

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.