ليس كل فشل تجاري سببه منتج سيئ، ففي كثير من الأحيان يكون الخطأ الحقيقي هو سوء فهم العميل، وهذا بالضبط ما حدث لـ "ماكدونالدز" في منتصف التسعينيات، عندما قررت إعادة تعريف نفسها بدلًا من تطوير ما جعلها ناجحة في الأساس.

 

أنفقت سلسلة مطاعم الوجبات السريعة مئات الملايين لإقناع الزبائن بشراء برجر ذا مذاق مختلف، قبل أن تكتشف أن المشكلة لم تكن في جودة المنتج، بل في الفكرة نفسها.

 

 

طموح مشروع

بحلول منتصف التسعينيات، بدأت وتيرة نمو "ماكدونالدز" تتباطأ، بينما كانت المنافسة تحتدم في سوق الوجبات السريعة، وبدلًا من تعزيز نقاط قوتها، قررت الشركة استهداف شريحة جديدة من البالغين الباحثين عن تجربة أكثر "رقيًا".

 

وفي عام 1996، أطلقت برجر "آرتش ديلوكس"، الذي جاء بمكونات مختلفة، مثل خبز البطاطس، وصلصة خردل ديجون، وقطعة لحم، بسعر أعلى من المعتاد، وكانت الإدارة تتوقع أن يحقق المنتج مبيعات تصل إلى مليار دولار خلال عامه الأول.

 

 

تغيير الهوية

لم يكن "آرتش ديلوكس" مجرد برجر جديد، بل كان محاولة لإعادة تعريف "ماكدونالدز" نفسها، فقد أرادت الشركة أن تتحول من مطعم عائلي يقدم وجبات سريعة بأسعار مناسبة إلى وجهة تجذب البالغين الباحثين عن تجربة أكثر رقيًا.

 

لكن هنا وقع الخطأ الأكبر، فالعملاء لم يكونوا يزورون "ماكدونالدز" بحثًا عن تجربة طعام فاخرة، وإنما لأنهم يعرفون مسبقًا ما سيحصلون عليه: وجبة سريعة، وسعر مناسب، وخيارات يحبها الأطفال، وعندما حاولت الشركة بيع تجربة مختلفة تمامًا، اصطدمت بتوقعات رسختها بنفسها على مدار عقود.

 

 

حملة إعلانية ضخمة

دعمت ماكدونالدز المنتج بحملة قدرت بنحو 200 مليون دولار، وهو ما مثل أكثر من 40% من ميزانية الإعلانات آنذاك.

 

غير أن الرسالة التسويقية كانت جزءًا من المشكلة، فقد رُوج للمنتج باعتباره "برجرًا للكبار"، بل أظهرت بعض الإعلانات أطفالًا يرفضون مذاقه، في محاولة لإبراز أنه ليس موجهًا لهم.

 

وبدلًا من جذب العملاء الجدد، بعثت هذه الرسالة بإشارة معاكسة إلى جمهور الشركة الأساسي، وهو العائلات، كما أنها لم تمنح المستهلكين البالغين سببًا مقنعًا لدفع سعر أعلى مقابل برجر من سلسلة وجبات سريعة.

 

 

أبحاث سوق لم تعكس الواقع

 

المفارقة أن "آرتش ديلوكس" اجتاز اختبارات السوق قبل إطلاقه، وأظهرت النتائج قبولًا جيدًا، لكن ما حدث لاحقًا كشف أن تلك الدراسات لم تكن ممثلة لقاعدة العملاء الحقيقية، فيما يعرف بـ"انحياز العينة".

 

فالعينة التي أبدت إعجابها بالمنتج لم تعكس السلوك الفعلي لملايين العملاء الذين يرتادون مطاعم "ماكدونالدز" يوميًا، وهو ما جعل نتائج الأبحاث مضللة عند تعميمها على السوق بأكمله.

 

 

حتى التشغيل أصبح أكثر تعقيدًا

لم تقتصر المشكلة على ضعف الطلب، بل امتدت إلى داخل المطاعم نفسها، فقد احتاج إعداد "آرتش ديلوكس" إلى خبز خاص وصلصات ومكونات جديدة، ما زاد من تعقيد عمليات التحضير وأثار استياء أصحاب الامتياز، بينما لم يكن حجم المبيعات كافيًا لتبرير هذه التكلفة الإضافية.

 

ومع استمرار الأداء الضعيف، سحبت "ماكدونالدز" المنتج من قوائمها بحلول عام 2000، ليصبح واحدًا من أشهر إخفاقاتها التجارية.

 

لم يفشل "آرتش ديلوكس" في جذب العملاء  لأنه كان برجرًا سيئًا، بل لأنه حاول أن يغيّـر العلاقة التي بنتها "ماكدونالدز" مع عملائها طوال عقود، فقد اكتشفت الشركة أن العلامات التجارية لا تُقاس فقط بما تقدمه من منتجات، بل أيضًا بما يتوقعه منها الناس.

 

وبعد هذه التجربة، عادت "ماكدونالدز" إلى التركيز على نقاط قوتها التقليدية، لتؤكد أن الابتكار لا يعني دائمًا الابتعاد عن الهوية، وأن أكثر القرارات تكلفة قد تبدأ بفكرة تبدو منطقية داخل قاعة الاجتماعات، لكنها لا تجد مكانًا لها على لدى العميل.

 

المصادر: صحيفة نيويورك تايمز –بيزنس إنسايدر

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.