أخطاء الشركات .. حين خدع الابتكار صاحبه
في أسواق السلع الاستهلاكية، لا يكفي أن تكون الفكرة جديدة حتى تنجح، فأحيانًا يكون أكبر عدو للابتكار هو ما اعتاده الناس على مدى سنوات طويلة.
هذا ما اكتشفته "بيبسيكو" عندما حاولت، في أوائل التسعينيات إقناع ملايين المستهلكين بأن الكولا يمكن أن تكون شفافة، وأن اللون الذي ارتبط بالمشروب لأكثر من قرن ليس سوى تفصيل يمكن الاستغناء عنه، كانت الفكرة جريئة، والحملة التسويقية ضخمة، لكن النتيجة تحولت إلى واحد من أشهر الإخفاقات التسويقية في تاريخ المنتجات الاستهلاكية.

شرارة الفكرة
مع بداية التسعينيات، كانت مفاهيم مثل "النقاء" و"الشفافية" تسيطر على الأسواق، وظهرت منتجات عديدة تعتمد على هذا الاتجاه بما يشمل الصابون وغيره.
حينها، رأى "ديفيد نوفاك"، الذي كان يقود التسويق لدى "بيبسيكو"، فرصة لتحويل هذه الموجة إلى نجاح جديد، فابتكر "كريستال بيبسي"، وهو مشروب كولا شفاف وخالٍ من الكافيين، يوحي بأنه أفضل من الناحية الصحية رغم احتفاظه بمعظم مكونات الكولا التقليدية.
وفي عام 1993، أطلقت الشركة المشروب الجديد بحملة إعلانية ضخمة خلال مباراة "سوبر بول"، مع طموح بتحويله إلى علامة تجارية تتجاوز قيمتها مليار دولار.

نجاح أولي سرعان ما اختفى
للوهلة الأولى، بدا أن كل شيء يسير وفق الخطة، إذ شُحنت ملايين العبوات إلى المتاجر، وحقق المنتج مبيعات قوية بلغت 474 مليون دولار في الأشهر الأربعة الأولى، مدفوعًا بفضول المستهلكين وحجم الإنفاق الإعلاني.
لكن النجاح كان مؤقتًا، فبعد تجربة العبوة الأولى، لم يعد كثير من المستهلكين راغبين في شرائها مجددًا، فقد ارتبطت الكولا في أذهانهم باللون الداكن والطعم المميز، بينما أوحى اللون الشفاف بنكهات تشبه الليمون أو المياه الغازية أكثر من كونه مشروب كولا.
زاد الأمر تعقيدًا أن "كريستال بيبسي" لم يكن يشبه مذاق مشروب "بيبسي" التقليدي بالقدر الكافي، وهو التحذير الذي أطلقه موزعو الشركة ومسؤولو التعبئة قبل الإطلاق، إلا أن الإدارة مضت في المشروع دون تعديل الوصفة.
ورغم الضجة الإعلامية، لم تتجاوز الحصة السوقية للمنتج في ذروة نجاحه البالغة نحو 0.5% من سوق المشروبات الغازية الأمريكية، وهو رقم بعيد عن الهدف الذي وضعته الشركة والبالغ 2% تقريبًا، وبحلول عام 1994، اختفى المنتج من الأسواق، قبل أن تدرجه مجلة "تايم" لاحقًا ضمن قائمة أسوأ إخفاقات المنتجات.

الدرس الأهم
بعد سنوات، عاد "نوفاك" للحديث عن التجربة، معتبرًا إياها أهم درس في مسيرته المهنية، واعترف بأنه كان مقتنعًا بالفكرة إلى درجة جعلته يتجاهل الأصوات التي طالبت بتقريب الطعم من مشروب "بيبسي" الأصلي.
وقال إن المشكلة لم تكن في الابتكار نفسه، بل في التنفيذ، فالمستهلك أحب فكرة الكولا الشفافة، لكنه لم يجد سببًا يدفعه إلى شرائها مرة أخرى، وأضاف أنه لو أُجريت أبحاث أوسع، أو أُخذت ملاحظات فرق الإنتاج والموزعين بجدية، لربما استمرت العلامة حتى اليوم.

وفي عام 2016، أعادت "بيبسي" طرح "كريستال بيبسي" لفترة محدودة، مستفيدة من موجة الحنين إلى التسعينيات، لكن العودة كانت احتفالية أكثر منها محاولة لإحياء منتج قديم.
تكشف قصة "كريستال بيبسي" أن الابتكار لا ينجح بمجرد كونه مختلفًا، بل بقدرته على التوافق مع توقعات المستهلك، فقد أثبتت التجربة أن التسويق قادر على دفع الناس لتجربة المنتج مرة واحدة، لكنه لا يستطيع إجبارهم على العودة إليه إذا لم يلب ما ينتظرونه.
المصادر: "بيزنس إنسايدر – ذاك كونفرزيشن – ياهو فاينانس – وول ستريت جورنال
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}