في الوقت الذي تضيق فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الخناق على صادرات الطاقة الروسية، تجد تجارة النفط لنفسها مسارات بديلة.

 

وعلى بُعد أقل من 40 كيلومترًا من سنغافورة، تقع جزيرة "كاريمون" الإندونيسية، وهي أرض ذات تربة فقيرة لا تصلح لزراعة الأرز، وتكاد تخلو من الصناعة، لكنها تحولت بهدوء إلى أحد أهم مراكز إعادة شحن المنتجات النفطية الروسية في آسيا.

 

 

جزيرة خرجت من الظل

تقع "كاريمون" داخل منطقة تجارة حرة لا تخضع عملياتها النفطية للرقابة الإندونيسية المباشرة، ولسنوات طويلة، اقتصر دورها على تخزين الوقود وإعادة توزيعه داخل جنوب شرق آسيا، قبل أن تتحول، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إلى واحدة من أهم محطات عبور المنتجات النفطية الروسية.

 

ومع إعادة موسكو توجيه صادراتها من أوروبا إلى آسيا عقب عقوبات عام 2022، برزت كاريمون كحل عملي للتجار الباحثين عن منفذ يتيح استمرار تدفق الوقود إلى الأسواق الآسيوية دون التعامل المباشر مع الشحنات الروسية.

 

وخلال الفترة بين يوليو 2024 ومايو من العام الحالي، استقبلت الجزيرة منتجات نفطية من سبعة موانئ روسية بقيمة تقارب 1.6 مليار دولار، بعدما كانت مثل هذه التدفقات شبه معدومة في عامي 2022 و2023.

 

 

إخفاء الهوية

تكمن أهمية كاريمون في أنها تعيد تشكيل هوية التدفقات، فبعد وصول الشحنات الروسية إلى خزانات الجزيرة، تخزن أو تخلط بكميات أخرى، ثم يعاد تحميلها بوثائق جديدة تشير في بعض الحالات إلى منشأ إندونيسي، قبل انطلاقها إلى وجهات مثل سنغافورة وماليزيا والصين والفلبين.

 

وتزداد صعوبة تتبع المنتجات المكررة مقارنة بالنفط الخام، إذ تفقد خصائصها الكيميائية المميزة بعد التكرير، بينما يسمح الخلط داخل الخزانات بإنتاج شحنة جديدة يصعب تحديد مصدرها الأصلي.

 

وكشف تحقيق أجرته وكالة "بلومبرج"، استنادًا إلى بيانات جمركية وسجلات شحن وصور أقمار صناعية، أن كاريمون أصبحت حلقة محورية في شبكة معقدة تعيد إدخال الوقود الروسي إلى الأسواق الآسيوية عبر مسارات يصعب تتبعها.

 

 

الأولوية لأمن الطاقة

منح العديد من المشترين الآسيويين الأولوية لتأمين الوقود بأسعار منخفضة بدلاً من التدقيق في منشأ الشحنات، طالما كانت الوثائق سليمة، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات، ولا سيما مع التوترات في الشرق الأوسط.

 

وتبرز سنغافورة بوصفها إحدى أبرز المحطات في هذه الشبكة، إذ انتقل أكثر من 700 ألف طن من الوقود من كاريمون إلى جزيرة جورونغ بين أكتوبر 2025 وأبريل من العام الجاري، بما يعادل نحو 40% من صادرات الجزيرة خلال تلك الفترة، بينما توجهت شحنات أخرى إلى ناقلات قبالة السواحل الماليزية أو إلى مشترين يصعب تحديدهم عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى.

 

 

تشديد العقوبات

أثارت التدفقات المتزايدة انتباه الحكومات الغربية، فأدرج الاتحاد الأوروبي محطة كاريمون النفطية ضمن الحزمة العشرين من العقوبات، لتصبح أول محطة نفطية غير روسية تخضع لهذه الإجراءات منذ غزو أوكرانيا.

 

كما فرضت المملكة المتحدة عقوبات على شركات مرتبطة بتدفقات النفط عبر الجزيرة، إلا أن الشبكات التجارية سرعان ما تعيد تنظيم نفسها عبر شركات وناقلات جديدة غير مدرجة على قوائم العقوبات، وهو أسلوب بات شائعًا في تجارة النفط الروسية.

 

في المقابل، تؤكد الشركة المشغلة للمحطة  أنها تعمل وفق القوانين الإندونيسية والدولية، وتنفي التعامل مع كيانات خاضعة للعقوبات، بينما تواصل إندونيسيا تطبيق العقوبات الصادرة عن الأمم المتحدة فقط، دون الالتزام بالإجراءات الأحادية التي تفرضها الدول الغربية.

 

قد تبدو كاريمون مجرد جزيرة صغيرة وسط بحر مزدحم، لكنها أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة العقوبات الغربية على تغيير مسارات تجارة الطاقة العالمية، فبينما تسعى أوروبا والولايات المتحدة إلى تضييق الخناق على صادرات موسكو، تثبت الجزيرة أن شبكات التجارة الدولية قادرة على ابتكار مسارات جديدة.

 

المصادر: بلومبرج – إس أند بي جلوبال – ساوث تشاينا مورنينج بوست – رويترز - كبلر

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.