3 معايير ذهبية تحمي مؤسستك من القرارات المتعجلة
في عالم متسارع تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ووسائل التواصل الاجتماعي، باتت المدخلات الإنسانية -خصوصاً المرتبطة بالعواطف- أقل حضوراً في صناعة القرارات.
ومع ذلك، تبقى الكثير من التوترات التي نشهدها يومياً، سواء في العلاقات الأسرية، أو النقاشات السياسية، أو الاحتجاجات الاجتماعية، أو حتى الصراعات في بيئة العمل، مرتبطة برغبات ومصالح شخصية.
وعندما تكون هذه الدوافع غير منسجمة مع الصالح العام، تظهر الفوضى والخيبات كنتيجة طبيعية.

هذا النمط لا يقتصر على مجال دون آخر؛ بل هو ظاهرة إنسانية عامة تتكرر أينما وُجدت الدوافع الأنانية غير المنضبطة.
وبما أن معظم الناس يقضون الجزء الأكبر من يومهم في العمل -سواء في بيئة حضور كاملة، أو عمل عن بعد، أو نظام هجين- فمن الضروري أن يكون القادة واعين لنواياهم.
فتكليف الموظف بأعباء تفوق طاقته مع توقع نتائج عالية قد يُعد شكلاً من أشكال سوء المعاملة الوظيفية، خصوصاً حين يعرف المدير مسبقاً أن الأهداف غير واقعية ويُصر على تنفيذها بدافع رغباته الشخصية.
ولضمان أن تكون قرارات القادة شاملة وعادلة، هناك ثلاثة معايير أساسية يمكن اعتمادها كاختبار للجودة قبل إطلاق أي خطة جديدة:
1- التفكير (هل فكرت جيداً في خطتي؟)
2- الشعور (كيف أشعر تجاه خطتي وما الذي تخبرني به عواطفي؟)
3- التطبيق (كيف سيتلقى الآخرون قراراتي؟)
وعندما تنسجم هذه العناصر الثلاثة، تزيد فرص نجاح المبادرة وتحقيق بيئة عمل متوازنة.
أولاً: هل فكرت جيداً في هذه الخطة؟
يمثل هذا السؤال الجانب المعرفي من عملية التقييم. فكل خطوة تبدأ بفكرة، وكل فكرة غير ناضجة تؤدي إلى نتائج ضعيفة. ولأن القادة يتعاملون مباشرة مع بشر لهم احتياجات وحدود، يجب أن تأخذ أي خطة في الاعتبار تأثيرها على الآخرين. فتكليف الموظف بما يفوق قدرته قد يؤدي إلى إرهاق نفسي وجسدي، أو احتراق وظيفي، أو حتى استقالة.
وهنا تبرز فكرة «تقديم الإنسان على الربح». قبل اتخاذ أي خطوة، على القائد أن يتخيّل أثر قراره على الفريق وعلى عائلاتهم أيضاً.
ويمكن لهذه الأسئلة أن تساعد في اختبار جودة التفكير:
- كيف سيؤثر قراري على أعضاء فريقي؟
- ما العواقب غير المتوقعة المحتملة؟
- لو كنت مكانهم، كيف سأستقبل هذه الخطة؟
حين يفكر القائد بهذه الطريقة قبل طرح خطته، يقلل من الارتباك ويزيد شعور الفريق بالتقدير والانتماء.

ثانياً: كيف أشعر تجاه أفكاري وخطتي؟
يمثل هذا الجانب العاطفي مرحلة مهمة جداً. فبعد تحليل الفكرة منطقياً، على القائد أن يصغي لمشاعره: هل أشعر بالراحة تجاه هذه الخطة؟ أم أن هناك شيئاً يثير الشك أو التردد؟
في أحيان كثيرة، "القلب" يكشف ما لا يريد "العقل" الاعتراف به. وإذا لم تكن المشاعر متوافقة مع المنطق، فهذا يعني أن الخطة تحتاج إلى مراجعة.
وإذا استمرت الحيرة، فالحل هو طلب رأي شخص موثوق وموضوعي؛ صديق أو زميل أو مرشد مهني. المرشد الجيد لا يجاملك ولا يرضخ لرغباتك، بل يساعدك على رؤية الصورة بوضوح وتحديد نواياك بدقة.
ومن خلال الاستماع الفعّال وطرح الأسئلة المناسبة، يمكن تعديل الخطة أو إعادة توجيهها قبل الإعلان عنها.
ولا يجب أبداً تجاهل إشراك الفريق في الحوار، فإحاطتهم علماً مبكراً يعزز الثقة ويُسهِم في تفادي سوء الفهم.
ثالثاً: كيف سيستقبل الآخرون قراراتي؟
هنا نصل إلى الجانب العملي. حتى لو كانت الخطة محكمة من الناحية الفكرية والعاطفية، يبقى السؤال الأهم: كيف ستبدو للآخرين؟
هل سيشعر الموظفون بأنها مفيدة أم مُرهِقة؟
هل ستُفهم كما قصدتها أم ستُفسر بطريقة أخرى؟
فالتصور مهم بقدر أهمية الفكرة نفسها. وفور الإعلان عن الخطة، يصبح القائد مسؤولاً بالكامل عن ردود الفعل؛ سواء كانت إيجابية أم سلبية. ومن خلال هذه التفاعلات سيتضح له ما إذا كانت الخطة ناجحة أم تسببت في اضطراب أو خوف أو مقاومة داخل الفريق.
لماذا هذا التوازن ضروري؟
إن تحقيق الانسجام في بيئة العمل ليس مجرد مفهوم إداري لطيف؛ بل هو عنصر أساسي لنجاح المؤسسة واستمرارها. فالفريق الذي يشعر بالأمان والتقدير يكون أكثر إنتاجية وابتكاراً واستقراراً.
لذلك، قبل طرح أي خطة جديدة، على القادة موازنة العناصر الثلاثة:
- التفكير العقلاني لضمان جودة الفكرة.
- التقييم العاطفي لضمان صدق النية.
- الاختبار العملي لضمان تقبّل الفريق لها.
ولا ينحصر هذا النموذج في بيئة العمل، بل يمكن تطبيقه في الحياة اليومية أيضاً: في الأسرة، ومع الأصدقاء، وحتى في القرارات الشخصية.
وباختصار، كل قرار يصنع موجة ما، إما ينسجم مع البيئة أو يعكرها. والقيادة الحكيمة هي التي تزن قراراتها قبل إطلاقها، ليكون أثرها إيجابياً على الجميع.
المصدر: سايكولوجي توداي
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}