بزنس زد .. متعة بلا روح
بغداد، القرن التاسع الميلادي، في بيت الحكمة.
عالمٌ يُدعى "محمد بن موسى الخوارزمي" يغمس قلمه في الحبر، يُدوّن خطواتٍ مُفصّلة لحلّ معادلاتٍ رياضية مُعقّدة، لم يكن يعلم حينها، لكن سلسلة الإجراءات تلك عرفت لاحقًا باسمه "الخوارزمية"، ومهدت لثورات علمية ومهنية متتالية.

والآن، بعد اثني عشر قرنًا، تعمل الخوارزمية بهدوءٍ داخل خادمٍ في لندن، دون حبر أو ورق، لتُحدّد أيّ لاعبٍ مراهقٍ سيحصل على عقدٍ بقيمة 50 مليون جنيه إسترليني.
تُخبر المدرب بمن سيبدأ المباراة، وتُتابع المسافة التي تقطعها الكرة بدقة، وتساعد الحكم في اتخاذ القرارات، وربما تُحدّد من سيرفع كأس دوري أبطال أوروبا.
مرحبًا بكم في عالم كرة القدم الحديثة.
من الحدس إلى البيانات
- على مدى قرنٍ من الزمان، كانت كرة القدم تُدار بالحدس، حيث يختار المدربون فرقهم بناءً على حدسهم والتجارب السابقة (التي ربما لا تتكرر)، وكان الكشافون يُقيّمون اللاعبين على مائدةٍ بعد المباراة.
- باختصار كانت الخبرة هي المعيار الوحيد، لكن هذا العصر قد ولى، واليوم، أصبحت كرة القدم تجربة في علم البيانات.
- بدأ هذا التحوّل مع فلسفة "ماني بول"، التي اشتهرت في أوائل الألفية الثالثة وأثبتت أن الرياضيات قادرة على التفوّق على الميزانيات الضخمة في لعبة البيسبول.
- أما في لعبة كرة القدم، فقد استغل الفيزيائي السابق "ماثيو بنهام" هذه الفكرة وطوّرها، فاشترى نادي برينتفورد الإنجليزي في 2012 ونادي ميتييلاند الدنماركي عام 2014.
- بينما أنفقت أندية أخرى الملايين على نجومٍ مُتقدّمين في السن، استطاعت خوارزميات "بنهام" اكتشاف المواهب التي لم تُقدّر قيمتها حق قدرها.
- استخدم برينتفورد البيانات للتفوق في الدرجات الأدنى من المنافسات والوصول إلى الدوري الإنجليزي الممتاز.

- ثم حذا برايتون وهوف ألبيون حذوه، ويستخدم مسؤولو التعاقدات لديهما التحليلات التنبؤية لشراء لاعبين غير معروفين وبيعهم بأرباحٍ طائلة.
- حتى أن نادي ليفربول أسس قسمًا متخصصًا في أبحاث البيانات وتحليل الأداء لتحسين كل شيء بدءًا من رميات التماس وحتى الانتقالات.
- لم تُغير البيانات عملية التوظيف فحسب، بل غيرت حتى جوهر اللعبة من الناحية الفنية.
كيف غيرت البيانات كرة القدم؟
- لفهم هذه الثورة، لا بد من فهم المصطلحات. دعك من الإحصائيات الأساسية كالأهداف والتمريرات الحاسمة.
- تعتمد كرة القدم الحديثة على مقاييس متقدمة، خذ على سبيل المثال الأهداف المتوقعة (xG)، فهي ببساطة تقيس جودة الفرصة.
- إذا كانت قيمة xG لتسديدة ما تساوي 0.2، فهذا يعني أنه من بين 10 تسديدات مماثلة، يُتوقع أن تسجل اثنتان منها، أو بعبارة أخرى، فإن احتمال تسجيل هذه التسديدة يبلغ 20%.
- فيما يقدم مؤشر التمريرات الحاسمة المتوقعة (xA) الشيء نفسه بالنسبة للتمريرات. وهي مؤشرات يرجع فيها الفضل إلى الخوارزميات التي تحلل البيانات.
- ثم هناك البيانات المكانية، حيث يحسب مؤشر "تجاوز الخصوم" عدد الخصوم الذين يتم تجاوزهم بتمريرة واحدة، وتُظهر الخرائط الحرارية أماكن تحرك اللاعبين فعليًا.
- لكن السحر الحقيقي يكمن في بيانات التتبع، حيث يرتدي اللاعبون سترات مزودة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) من شركات مثل "كاتابولت" و"كينيكسون".
- تقيس هذه السترات حمل اللاعب، ومسافة الركض، ومعدل ضربات القلب.
- في الوقت نفسه، تستخدم كاميرات التتبع البصرية في الملاعب تقنية رؤية الحاسوب لتسجيل إحداثيات كل لاعب والكرة 25 مرة (أو أكثر) في الثانية، وهذا يُنشئ نسخة رقمية مطابقة للمباراة.

من الحبر إلى الخوارزمية الرقمية
- لا تتوقف الخوارزميات في كرة القدم عند خط التماس، بل تُدير العمل بأكمله، فأصبحت الأندية تعمل الآن كشركات التكنولوجيا في وادي السيليكون.
- تُشغّل خدمات "أمازون" السحابية الإحصائيات الرسمية للدوري الألماني الممتاز، مستخدمةً التعلّم الآلي لتحليل لحظات المباراة، لكن استخدام الأندية لخدمات "إيه دبليو إس" يتجاوز ذلك بكثير.
- تساعد "أمازون" وغيرها في تشغيل خوارزميات تنبؤية لتسعير التذاكر ديناميكيًا، وأنظمة توصية لتحسين محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز مبيعات المنتجات.
- لم يعد تفاعل المشجعين عشوائيًا، بل أصبح مُخططًا له بدقة، وتستخدم التطبيقات التعلّم الآلي لعرض أبرز اللقطات التي ترغب بمشاهدتها، ما يُبقيك مُتابعًا ويولد عائدات من الإعلانات.
هل تحل الخوارزمية محل المدرب؟
- هذا هو السؤال الأهم الآن، حيث يستطيع الذكاء الاصطناعي الحالي التنبؤ بالإصابات من خلال تحليل البيانات البيوميكانيكية وأحمال التدريب.
- كما يُمكنه تحديد نقاط الضعف التكتيكية من خلال محاكاة آلاف السيناريوهات للمباريات، بل ويمكنه حتى التوصية ببدلاء بناءً على مقاييس الإرهاق في الوقت الفعلي.
- لكن هل يعني ذلك أن المديرين الفنيين سيصبحون بلا أهمية؟ على الأرجح لا، لكن دورهم يتغير.
- يشير باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أنه في البيئات المعقدة، يعمل البشر والذكاء الاصطناعي معًا بأفضل شكل.
- مدرب المستقبل لن يصبح مجرد صانع قرارات، بل سيكون مشرفًا على الخوارزميات، أو باختصار: سيقود البشر المنظومة، فيما يتولى الذكاء الاصطناعي إدارة العمليات الحسابية.

ماذا عن الحكام والكرة نفسها؟
- الخطأ البشري هو أقدم مشكلة في كرة القدم، والخوارزميات تحاول حلها.
- كانت تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) مجرد بداية، والآن لدينا تقنية التسلل شبه الآلية (SAOT)، والتي تستخدم التتبع البصري ومستشعرًا داخل الكرة لرسم خطوط التسلل ثلاثية الأبعاد في ثوانٍ.
- يعتمد الاتحادان الدولي والأوروبي على دمج البيانات الحسية، حيث يجمع هذا بين بيانات الكاميرا وبيانات الكرة لاتخاذ قرارات دقيقة.
- تحسنت الدقة بشكل كبير بالفعل، لكن هذه التقنية ليست مثالية، إذ لا تزال تتطلب مراجعة بشرية للقرارات التقديرية مثل المخالفات.
- تستطيع الخوارزمية قياس المسافة، لكنها تواجه صعوبة في تحديد النية.
- خلال كأس العالم 2022، قدمت "أديداس" كرة الرحلة، والتي احتوت على مستشعر وحدة القياس بالقصور الذاتي (IMU).
- يتتبع الجهاز حركة الكرة 500 مرة في الثانية، ومهمته بسيطة: رصد اللحظة التي يركل فيها اللاعب الكرة، وبالتالي تحديد حالات التسلل بدقة.
هل ما زالت كرة القدم لعبة؟
- كل هذا التطور يقودنا إلى تساؤلات منطقية: هل أصبحت كرة القدم منتجًا تقنيًا؟ هل باتت مجرد آلة لتحسين مستوى الدوبامين، مصممة تمامًا مثل "تيك توك" أو "نتفليكس"؟

- تستخدم هذه المنصات خوارزميات لإبقائك منشغلًا بالتصفح، أما كرة القدم الحديثة فتستخدم البيانات لإبقائك مشاهدًا، ومنفقًا، ومتفاعلًا.
- هنا يكمن الخطر الحقيقي، فإذا قمنا بتحسين كل تمريرة، وكل انتقال، وكل بث، فهل سنقضي على سحر اللعبة؟
- لطالما كانت جاذبية كرة القدم تكمن في عدم القدرة على التنبؤ بنتائجها، وأمور مثل فوز الفريق الأقل حظًا، ومعجزة اللحظة الأخيرة، والخطأ البشري.
- إذا قمنا بهندسة عدم القدرة على التنبؤ في هذه الرياضة، فقد ينتهي بنا المطاف بمنتج مثالي، لكنه خالٍ من الروح.
- قد يكون جذابًا للغاية، لكنه يفتقر تمامًا إلى الشغف المعتاد، وعلينا أن نتساءل: هل نشاهد رياضة، أم نستهلك محض تجربة ترفيهية مصممة هندسيًا؟
المصادر: أرقام- أكسفورد كونفرانس- مورنينج ستار- أسوشيتد برس- الجارديان- بي بي سي- المكتبة الوطنية الأمريكية للطب- كلية سلون للإدارة التابعة لمعهد ماساتشوستس- مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم- فيفا- شركة فيريبراجنا- آناليسبورت- بريتانيكا
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}