هندسة الخداع المالي .. وخزة إصبع خدعت وادي السيليكون
في التاسعة عشرة من عمرها، تركت "إليزابيث هولمز" دراستها للهندسة الكيميائية في جامعة "ستانفورد"، عازمة على تأسيس شركة طموحة تحدث ثورة في مجال التشخيص الطبي.
دون أن تخضع لأي تدريب طبي، خدعت "هولمز" الجهات التنظيمية وبعضًا من مليارديرات العالم، بإيهامهم بأنها اكتشفت طريقةً لتشخيص مجموعة من الأمراض باستخدام وخزة إصبع واحدة، بدلاً من إجراء مئات الفحوصات.
فكيف استطاعت فتاة شابة أن تقنع المستثمرين بأن بضع قطرات من الدم يمكن أن تغير مستقبل التشخيص الطبي؟

الوهم الذي جذب مليارديرات العالم
سجلت "هولمز"، التي نشأت في عائلة ميسورة الحال في واشنطن، براءة اختراع لتقنية ثورية تهدف إلى إجراء مجموعة واسعة من الاختبارات على عينة صغيرة من الدم، وهو تطور من شأنه أن يُغني عن الحاجة إلى عينات دم كبيرة لتشخيص الأمراض.
وبعد مغادرة الجامعة مباشرة وتحديدًا في عام 2003، أسست "هولمز" شركتها الناشئة لفحوصات الدم "ثيرانوس – Theranos" التي وعدت أنه باستخدام بضع قطرات من الدم، يمكن لاختبار "إديسون" الخاص بها الكشف عن أمراض منها السرطان والسكري سريعًا دون عناء الحقن.
ورغم أنها لم تكن تملك سوى القليل من الأدلة العلمية التي تدعم مزاعمها، تمكنت "ثيرانوس" بقيادة "هولمز" وشريكها التنفيذي "سوني بالواني" من جمع تمويلًا قدره 945 مليون دولار من المستثمرين الذين أعجبوا بالفكرة واستثمروا فيها دون الاطلاع على البيانات المالية المدققة.
وكان من بين داعميها، "لاري إليسون" و"روبرت مردوخ" الذي استثمر 125 مليون دولار في الشركة، وأضفى هذا الدعم مصداقية على أعمال "ثيرانوس".
كما أضفى أعضاء مجلس الإدارة البارزون بمن فيهم وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "جيمس ماتيس"، ووزيرا الخارجية الأمريكيان الأسبقان "جورج شولتز" و"هنري كيسنجر"، هالة من الشرعية على الشركة، ورغم ثقل هذه الأسماء، إلا أن معظمهم لم يكونوا من المتخصصين في الطب أو العلوم.

شخصية جذابة
كانت "هولمز" تستطيع ببساطة الاعتراف بأن التكنولوجيا لم تنجح في تحقيق ما وعدت به، لكنها بدلًا من ذلك واصلت الدفاع عن الصورة التي بنتها، وتبنت ثقافة التكتم الشديد عن تقنيتها، وفي شركتها حيث لم يكن يُتخذ قرار دون موافقتها.
بحلول 2013، بدأت القصة تجذب انتباهًا واسعًا، وقفز تقييم الشركة إلى 9 مليارات دولار، وفي لحظة تتويج ، أعلنت "فوربس" أن "هولمز" أصغر مليارديرة عصامية في العالم بثروة قيمتها 4.5 مليار دولار.
بينما وصفتها مجلة "إنك" على غلافها بأنها "ستيف جوبز القادم"، وأصبحت "هولمز" واحدة من أبرز الوجوه النسائية في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال.

خيوط الاحتيال تتفكك
بدأت الصورة التي رسمتها "هولمز" تتهاوى علنًا في عام 2015، ليس من قبل الجهات التنظيمية ولكن من خلال سلسلة من تقارير استقصائية نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" والتي استندت إلى معلومات كشفها موظفون لدى "ثيرانوس" بدأوا يروون قصةً مختلفةً تمامًا عن الصورة البراقة التي رسمتها الشركة.
وأوضح بعض الموظفين أن نتائج اختبار "إديسون" غير دقيقة، وكشف آخرون أن الغالبية العظمى من الاختبارات لم تُجرَ في مختبرات "ثيرانوس" أصلًا، بل في أجهزة تقليدية تم شراؤها من موردين رئيسيين.
وعندما نشرت أولى التقارير عن شبهات الاحتيال، لم تهتز "هولمز" أو تنهار، لكنها دافعت عن حلمها "المزيف" بثقة قائلة: هذا ما يحدث عندما تعمل على تغيير الأمور، في البداية يظنونك مجنونًا، ثم يحاربونك، وبعدها تغير العالم، واصفة تقارير الصحيفة بأنها "مُضللة من الناحية الواقعية والعلمية".

تداعيات متتالية
لكن الانهيار كان قد بدأ فعلًا ولا رجعة فيه، تراكمت الدعاوى القضائية على الشركة، وقطع الشركاء علاقاتهم، وفي عام 2016، منعت الهيئات التنظيمية الأمريكية "هولمز "من تشغيل أو إدارة مختبرات فحص الدم لمدة عامين.
اتهمت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية الشركة بارتكاب عملية احتيال ضخمة، وأن "هولمز و"بالواني"، كذبا لسنوات بشأن تكنولوجيا الشركة، وخدعا المستثمرين لحملهم على منح "ثيرانوس" مئات الملايين من الدولارات.
قال المدعون إن "هولمز" ضللت المرضى عمدًا بشأن دقة الفحوصات، وبالغت بشكل كبير في وصف أداء الشركة أمام مموليها.
بدأت "ثيرانوس" بسحب اختباراتها وأجهزتها، وتنحّت "هولمز" عن منصب الرئيسة التنفيذية في يونيو 2018، وسرعان ما تم حلّ الشركة، ونتيجة لذلك عدّلت "فوربس" تقديراتها لصافي ثروتها إلى الصفر، كما خفّضت تقييمها للشركة إلى 800 مليون دولار.
أُدينت "هولمز" بأربع تهم احتيال على المستثمرين، وحُكم عليها بالسجن أحد عشر عامًا وثلاثة أشهر، مع إلزامها بدفع 452 مليون دولار، مع تأجيل سداد التعويضات نظرًا إلى محدودية مواردها المالية، ورغم تخفيض مدة عقوبتها لاحقًا، لا يزال إفراجها مقررًا في أغسطس 2032، بينما ينتظر طلبها لتخفيف العقوبة قرارًا نهائيًا.

بدأت قصة "هولمز" بحلم بدا أكبر من قدرة التكنولوجيا على تحقيقه، لكن مع اتساع الفجوة بين ما كانت تأمل في الوصول إليه وما كانت تقنيتها قادرة على تقديمه، أصبح الحفاظ على الحلم أهم من مواجهة الحقيقة.
وفي النهاية، لم تسقط "ثيرانوس" لأن فكرتها كانت طموحة، بل لأن الوعد بالمستقبل قُدّم للمستثمرين وكأنه حقيقة قائمة بالفعل، فالدرس الأهم للمستثمرين والمبتكرين واحد: ما تستطيع التكنولوجيا تقديمه اليوم يجب ألا يُقدَّم على أنه ما قد تتمكن من تقديمه غدًا.
المصادر: أرقام- هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية - بي بي سي - الجارديان – تقارير "وول ستريت جورنال"
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}