من المصانع إلى السفن .. رحلة السيارة الصينية المعقدة نحو المشتري
لم تعد المشكلة التي تواجه صناعة السيارات الصينية تقتصر على قدرتها على الصمود أمام اشتداد المنافسة، أو العثور على مشترين لملايين من مركباتها في الخارج، بل انتقلت إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا: كيف يمكن نقل العدد القياسي من السيارات إلى الأسواق العالمية؟

صادرات قياسية
وصلت صادرات السيارات الصينية الشهرية إلى مستوى قياسي بلغ 1.06 مليون سيارة في يونيو، ما يضع الصين على مسار لتصدير أكثر من 10 ملايين سيارة خلال العام الحالي، مقارنة مع 7.1 مليون وحدة في 2025.
وتأتي هذه القفزة في وقت تعاني فيه السوق المحلية الصينية من فائض في الإنتاج وضعف نسبي في الطلب، بالتزامن مع اشتداد المنافسة بين أكثر من 100 علامة تجارية محلية، ما يدفع الشركات إلى البحث عن أسواق خارجية لتصريف إنتاجها.
لكن موجة التصدير هذه اصطدمت بعنق زجاجة غير متوقع، السفن المتخصصة في نقل السيارات لم تعد كافية لمواكبة الكميات المتدفقة من المصانع الصينية.
كيف تُشحن السيارات؟
هناك ثلاث طرق رئيسية لشحن السيارات إلى الأسواق الخارجية، الأولى هي السفن المتخصصة في نقل السيارات، وهي الأكثر كفاءة عند التعامل مع آلاف المركبات، إذ تُخزن السيارات على مستويات متعددة داخل السفينة، في تصميم يشبه مرآب سيارات عائم، ما يسمح بنقل أعداد كبيرة مع خفض تكاليف الشحن وتقليل مخاطر التلف.
أما الطريقة الثانية فتتمثل في حاويات الشحن، حيث توضع عادةً سيارتان إلى أربع سيارات داخل الحاوية، قبل رفعها بواسطة الرافعات وتحميلها على السفينة، غير أن هذه الطريقة أكثر تكلفة وتعقيدًا، كما تزيد مخاطر تعرض السيارات للتلف.
والطريقة الثالثة، وهي الأقل شيوعًا، فتتمثل في وضع السيارات على رفوف معدنية تُرفع بواسطة الرافعات إلى سفن الشحن، ويمكن تكديس هذه الرفوف فوق بعضها، بما يسمح بنقل مئات المركبات على متن السفينة الواحدة.
لكن مع استمرار نمو الصادرات، لم يعد مصنعو السيارات يكتفون بالبحث عن وسيلة للنقل، بل بدأ بعضهم في بناء قدراته البحرية الخاصة.

سيارات تبحث عن طريق إلى الخارج
مع تزايد رغبة الشركات المحلية في التوسع دوليًا، بدأت شركات صناعة السيارات الصينية في استخدام وسائل نقل لم تكن الخيار المعتاد لنقل المركبات.
فبدلًا من تحميل السيارات على السفن المتخصصة التي تشبه مواقف السيارات العائمة، يلجأ بعض المصنعين إلى وضع مركباتهم داخل حاويات شحن تستخدم عادةً لنقل الأثاث والملابس والأجهزة الإلكترونية، ثم إرسالها إلى أوروبا وأستراليا وأمريكا اللاتينية.
ولا يعد شحن السيارات داخل الحاويات أمرًا جديدًا، لكنه ظل لفترة خيارًا محدود الاستخدام، قبل أن يتغير الوضع خلال جائحة كوفيد-19، عندما تجاوز الطلب على نقل المركبات الطاقة الاستيعابية المتاحة من السفن المتخصصة.
وبحسب "لاسي كريستوفرسن"، الرئيس التنفيذي لشركة "والينيوس ويلهلمسن"، التي تدير أكبر أسطول لنقل السيارات في العالم، تصدر الصين ما يصل إلى 4 ملايين سيارة سنويًا داخل حاويات أو باستخدام وسائل بديلة أخرى، ومع ذلك، تظل السفن المصممة خصيصًا لنقل السيارات الخيار المفضل لشركات صناعة السيارات.
وأشار "كريستوفرسن" إلى أن الأسطول العالمي لشحن السيارات نما بنحو 40%، لكنه لا يزال غير قادر على تلبية مواكبة الطلب المتزايد على نقل السيارات الصينية.

ارتفاع تكلفة الشحن
كان قطاع الشحن يتوقع أن يشهد عام 2026 تراجعًا في أسعار تأجير سفن نقل السيارات، مع دخول عدد كبير من السفن الجديدة إلى الخدمة، لكن الواقع جاء مختلفًا.
فمع استمرار تدفق السيارات الصينية إلى الأسواق العالمية، تجد شركات الشحن نفسها أمام طلب يتجاوز الطاقة الاستيعابية المتاحة، ما دفع أسعار تأجير السفن إلى الارتفاع مجددًا.
وبلغ متوسط سعر تأجير سفينة كبيرة لنقل السيارات 70 ألف دولار يوميًا في يونيو، وفقًا لشركة أبحاث الشحن "كلاركسونز"، مقارنة مع 42.5 ألف دولار في نهاية العام الماضي، أي بزيادة تقارب 65% خلال العام.
وهكذا تحولت الزيادة الهائلة في صادرات السيارات الصينية إلى عامل ضغط مباشر على سوق الشحن، بعدما أصبحت السفن المتخصصة تُحجز لسنوات مقبلة لنقل السيارات من المصانع الصينية إلى المستهلكين حول العالم.
|
متوسط سعر تأجير سفينة متخصصة لنقل السيارات (6500 سيارة) |
|
|
الفترة الزمنية |
السعر |
|
يونيو 2026 |
70.0 |
|
مايو 2026 |
65.0 |
|
أبريل 2026 |
55.0 |
|
مارس 2026 |
50.0 |
|
فبراير 2026 |
50.0 |
|
يناير 2026 |
47.5 |
|
ديسمبر 2025 |
42.50 |
البحث عن حلول
أمام هذا الاختناق المتفاقم، لم تكتفِ شركات صناعة السيارات الصينية بانتظار حلول من قطاع الشحن، بل بدأت في بناء حلولها الخاصة.
فقد أطلقت شركة "بي واي دي" أول ناقلة سيارات مخصصة لها في عام 2024، ولم يمضِ وقت طويل حتى امتلكت أسطولًا كاملاً من ثماني سفن.

وبينما تتوسع أحواض بناء السفن لإضافة طاقة استيعابية جديدة، تواصل المصانع الصينية ضخ المزيد من السيارات إلى الأسواق الخارجية، وهنا تظهر المفارقة: العالم يملك مزيدًا من السفن، لكن صادرات الصين تنمو بسرعة أكبر.
وبذلك لم تعد المنافسة بين شركات السيارات الصينية تدور فقط حول السعر والتكنولوجيا وحصة السوق، بل امتدت إلى مساحة جديدة: من يستطيع تأمين السفينة التي ستوصل السيارة إلى المشتري؟
المصادر: وول ستريت جورنال - "كلاركسون. ريسيرش" - جلوبال تايمز – فاينانشال تايمز
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}