في عام 1929، لم يكن أحد يعرف أنه يعيش الأيام الأخيرة لأسواق مالية مستقرة قبل اضطراب طويل الأمد، وعندما بدأت الأسهم في الانهيار، لم يكن السؤال فقط: كم ستخسر؟ بل كان السؤال الأصعب: أين يمكن أن تضع ثروتك بحيث لا تختفي معها؟

 

 

لكن الكساد الكبير كشف شيئًا أكثر قسوة من انهيار الأسهم: أن "الأمان" نفسه ليس قيمة ثابتة، فخلال الانكماش، يصبح النقد والسند الحكومي ملاذًا، وأثناء التضخم المرتفع، قد يتحولان إلى عبء، فيما تتقدم السلع والذهب.

 

وعندما تتجمد الأسواق في لحظة هلع، قد يُباع حتى الذهب، لا لأنه فقد قيمته، بل لأن المستثمر يحتاج إلى سيولة فورًا. لهذا، لا توجد إجابة تاريخية واحدة عن سؤال: ما الأصل الأكثر أمانًا؟

 

اليوم، عاد السؤال إلى الواجهة بعدما قال "نيكولاي تانجن" رئيس صندوق الثروة السيادي النرويجي، إن الصندوق يمكن أن "يختفي" في سيناريو بالغ التطرف.

 

لم يكن "تانجن" يتنبأ بانهيار وشيك، بل كان يضع أمام صناع السياسة سؤالًا عن أسوأ ما يمكن أن يحدث إذا اجتمعت صدمات كبرى، ومع ذلك، فإن أهمية التحذير تتجاوز الصندوق نفسه.

 

فإذا كانت الثروات السيادية الكبرى تعتمد أساسًا على الأسهم والسندات، فهل ينبغي أن تمتلك الدول قدرًا أكبر من الذهب والسلع والأراضي والعقارات والبنية التحتية والمصانع والمخزونات الاستراتيجية؟

 

أو كما يحذر الأخ "Investment Man" قائلًا إنه ينبغي على الصناديق العالمية أن يكون لديها أصول حقيقية، لأن الصدمة الاقتصادية أصبحت واردة.

 

 

فهل هذه الأصول أكثر أمانًا فعلًا عندما تضرب الأزمة النظام المالي بأكمله؟

 

والسؤال الأهم: هل نحن أصلًا أمام أزمة عالمية وشيكة؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فمن قال إن الأزمة المقبلة ستشبه 1929؟ ربما لا تكون المشكلة في حجم الخطر، بل في سوء تعريفه.

 

ما المشكلة الحقيقية؟

 

- هناك ما يدعو إلى القلق فعلًا، حيث بلغ الدين الإجمالي العالمي مستوى قياسيًا عند نحو 350 تريليون دولار في الربع الأول من 2026، فيما تجاوز الدين الحكومي وحده 102 تريليون دولار.

 

- في هذا السياق، يحذر بنك التسويات الدولية وصندوق النقد من هشاشة مالية متزايدة، وضغوط مالية على الحكومات، وتحولات في أسواق الدين، وقنوات جديدة لانتقال الصدمات عبر المؤسسات المالية غير المصرفية.

 

 

- لكن هذه الصورة لا تكفي لإعلان اقتراب انهيار عالمي، فالبنوك الكبرى اليوم راسخة من الناحية المالية أكثر مما كانت عليه قبل أزمة 2008، ولا تظهر مؤشرات الأسواق الائتمانية أو القطاع المصرفي أزمة حادة شبيهة بما سبق الانهيار المالي العالمي.

 

- حتى المؤسسات التي تحذر من تراكم المخاطر لا تقول إن كسادًا عالميًا أصبح وشيكًا، وهنا ينبغي مقاومة إغراء سردية سهلة متكررة: ارتفاع المخاطر لا يعني أن الانهيار أصبح موعدًا في الأجندة.

 

- الأخطر أن افتراض وقوع الأزمة قد يقود إلى افتراض آخر أكثر خطورة، وهو أن الأزمة، إذا جاءت، ستعمل بالطريقة نفسها التي عملت بها أزمات الماضي.

 

الأزمة التي لا نعرفها بعد

 

- في عام 1929، كان الانهيار في جوهره أزمة انكماش وديون وبنوك، حيث هبطت الأسهم الأمريكية بنحو 89% خلال الفترة الممتدة من القمة إلى القاع، فيما أصبحت السندات الحكومية والنقد أكثر قيمة حقيقية مع انهيار الأسعار.

 

- لكن السبعينيات أظهرت لنا العالم المعاكس تقريبًا، حيث التهم التضخم القيمة الحقيقية للنقد والسندات، وتحول الذهب والسلع إلى مستفيدين رئيسيين.

 

- مرة أخرى جاءت أزمة 2008 لتقدم درسًا مختلفًا، حيث هبط مؤشر "إس آند بي 500" نحو 56% من القمة إلى القاع، فيما حققت الصناديق المستثمرة في سندات الخزانة الأمريكية عائدًا بنحو 28%، وتقلب الذهب في البداية قبل أن تتضاعف قيمته بحلول 2011، في حين تراجعت العقارات.

 

- كان ذلك عالمًا يستطيع فيه السند الحكومي أن يؤدي وظيفة التحوط التي يحتاج إليها مستثمر الأسهم، لكن عام 2022 كسر هذه القاعدة، عندما تراجعت الأسهم الأمريكية بنحو 18%، وهبط مؤشر "بلومبرج" لسندات الخزانة بنحو 12.5%.

 

- ببساطة لم تعد السندات تحمي الأسهم لأن الصدمة لم تكن انكماشية؛ كانت تضخمية ومرتبطة بارتفاع أسعار الفائدة، وهنا تظهر الحقيقة التي يصعب اختزالها في شعار استثماري: الأصل الآمن لا يُعرَّف بمعزل عن الأزمة.

 

- هذا يعني أن البحث عن أصل واحد "ينجو من كل شيء" قد يكون بحثًا عن شيء غير موجود أصلًا.

 

 

الأمان الزائف للأصول الحقيقية

 

- عندما يخاف المستثمر من الأسواق المالية، تبدو الأرض أكثر أمانًا من السهم، والمصنع أكثر أمانًا من السند، والذهب أكثر أمانًا من العملة، لكن هذه المقارنة تخفي سؤالًا أهم: ما الذي يمنح الأصل قيمته؟

 

- الأرض الزراعية تعتمد على الإنتاج والطلب وحقوق الملكية، والعقار يعتمد على المستأجرين والائتمان وأسعار الفائدة، والمصنع يحتاج إلى العمال والطاقة والمواد الخام والأسواق، أما السلع، فقد تكون شديدة الحساسية للدورة الاقتصادية نفسها.

 

- في 2008، لم تمنع حقيقة النفط المادية سعره من الانهيار بنحو 75% من القمة إلى القاع، لأن العالم اكتشف أن السلعة التي لا يستطيع الاستغناء عنها في الأجل الطويل يمكن أن تصبح فائضة في الأجل القصير عندما ينهار الطلب.

 

- العقار ليس استثناءً، فعندما يتوقف الائتمان أو تتراجع الدخول، يمكن للأصل الملموس أن يصبح أقل سيولة وأكثر تكلفة في الوقت نفسه. الملموسية إذن ليست ضمانًا للأمان؛ إنها مجرد خاصية من خصائص الأصل.

 

حتى الذهب يحتاج أزمة تناسبه

 

- ربما يكون الذهب أفضل اختبار لفكرة "الأصل الحقيقي"، فهو لا يحمل مخاطر ائتمانية، ولا يعتمد على أرباح شركة، ويمتلك تاريخًا طويلًا كأداة لحفظ القيمة في فترات التضخم والاضطراب النقدي.

 

- لهذا يبدو منطقيًا أن تزيد المؤسسات الرسمية احتياطياتها منه، لكن تجربة عام 2020 تكشف الحد الذي يغفل عنه أنصار الذهب أحيانًا.

 

- عندما تحول ذعر "كوفيد-19" إلى سباق عالمي على السيولة، تراجع الذهب في إحدى أشد مراحل الهلع، مع اضطرار المستثمرين إلى بيع أصول يمكنهم تسييلها لتغطية الالتزامات والخسائر.

 

- لم يفقد الذهب صفته كمخزن للقيمة على المدى الطويل، لكنه أثبت أن مخزن القيمة ليس بالضرورة مخزنًا للسيولة في كل لحظة، وهذا فرق جوهري بالنسبة إلى صندوق سيادي.

 

 

- ربما لا تحتاج الدول إلى أصول أكثر أمانًا، بل إلى خيارات أكثر، وهنا يصبح مفهوم الاحتياطي الاستراتيجي أكثر أهمية من مفهوم "الملاذ الآمن".

 

- الدول لا تحتفظ باحتياطيات النفط لتحقيق أفضل عائد ممكن، إنها تقبل تكلفة التخزين وعدم الكفاءة الاستثمارية مقابل امتلاك شيء يمكن استخدامه عندما تتعطل الإمدادات.

 

- منطق الاحتياطي مختلف عن منطق الاستثمار، حيث الأول يشتري القدرة على الانتظار والتصرف، وهذا ما قد يبرر وجود شريحة من الأصول الحقيقية داخل المحافظ السيادية، لا لأنها ستتفوق على الأسهم أو السندات، وإنما لأنها تمنح المحفظة قدرة مختلفة على التعامل مع عالم تتغير فيه قواعد اللعبة.

 

- لكن ذلك لا يعني التخلي عن الأسواق المالية، فالسيولة نفسها أصل استراتيجي، وفي لحظة الانهيار، يستطيع المستثمر الذي يحتفظ بالنقد أو بأصول شديدة السيولة أن يشتري بأسعار لا يستطيع صاحب العقار أو البنية التحتية الوصول إليها بسهولة.

 

- لذلك قد تكون المشكلة في البحث عن "ملجأ" واحد بدلًا من بناء مجموعة من الخيارات.

 

السؤال المقلق: هل تتكرر 1929؟

 

- الاختلاف بين 1929 واليوم ليس تفصيلًا تاريخيًا، فالنظام المالي أصبح أكثر اعتمادًا على البنوك المركزية، وصناديق المؤشرات، والمشتقات، والائتمان الخاص، والمؤسسات غير المصرفية، وسلاسل الإمداد العابرة للقارات.

 

- هذا لا يجعل العالم محصنًا، لكنه يعني أن الأزمة المقبلة قد لا تبدأ من المكان الذي بدأت منه أزمات القرن الماضي، وقد لا تنتقل بالطريقة نفسها.

 

- ربما تكون صدمة في أسواق الدين السيادي، أو أزمة ائتمان خاص، أو انهيارًا في تقييمات التكنولوجيا، أو صدمة طاقة وجيوسياسة، أو مزيجًا من التضخم والدين والركود.

 

- لهذا فإن بناء استراتيجية كاملة على افتراض تكرار 1929 قد يكون نوعًا آخر من المخاطرة، فإذا كانت الأزمة المقبلة مختلفة، فإن الأصل الذي كان ملاذًا في الأزمة السابقة قد يصبح جزءًا من المشكلة.

 

 

- هنا يصبح تحذير "تانجن" أكثر فائدة إذا قرأناه بطريقة مختلفة، ليس باعتباره نبوءة بأن صندوقًا بقيمة تريليوني دولار على وشك الاختفاء، وإنما كتذكير بأنه حتى أكبر المحافظ لا تستطيع معرفة شكل الصدمة المقبلة.

 

- هذا يقود إلى نتيجة أكثر تواضعًا، لكنها أكثر صلابة: لا تحتاج الثروة طويلة الأجل إلى التنبؤ بالمستقبل، بقدر ما تحتاج إلى ألا تكون رهينة مستقبل واحد.

 

- فقد تحتاج إلى نقد عندما ينهار الائتمان، وذهب عندما ينهار اليقين النقدي، وسلع عندما تتعطل الإمدادات، وأصول منتجة عندما يصبح التضخم هو المشكلة، وأسواق مالية سائلة عندما تظهر فرصة لا يستطيع الآخرون اقتناصها.

 

- ربما لا يكون السؤال إذن: أين نخبئ ثروتنا عندما تختفي الأسواق؟ بل: هل بنينا ثروة تستطيع أن تعيش حتى لو اختفى العالم الذي بُنيت عليه توقعاتنا؟

 

المصادر: أرقام- تقارير صندوق الثروة النرويجي- رويترز- مجلس الذهب العالمي- تقارير صندوق النقد الدولي- بنك التسويات الدولية- أونكتاد- المعهد الدولي للتمويل- قاعدة بيانات "NYU Stern"- موقع تاريخ الفيدرالي- بريتانيكا- ذا موتلي فول- مركز تطوير الأعمال الصغيرة في ولاية نيويورك- ياهو فايننس- لوس أنجلوس تايمز

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.