في 9 مارس عام 2000، اشترت وزارة الخزانة الأمريكية ما قيمته مليار دولار من سنداتها القائمة، وكانت تلك أول عملية إعادة شراء حقيقية منذ نحو سبعين عامًا.
 


 

لكن وزير الخزانة آنذاك "لورنس سامرز" كان يواجه مشكلة تبدو اليوم شبه خيالية: الحكومة تجمع إيرادات تفوق احتياجاتها، والدين المتاح للسوق يتقلص.
 

انتهى برنامج تلك الحقبة في أبريل عام 2002 بعد 45 عملية اشترت خلالها وزارة الخزانة 67.5 مليار دولار من الدين القائم. وبعد ربع قرن عادت الأداة نفسها، لكن في ظروف مختلفة جذريًا.
 

تحتاج الحكومة الأمريكية الآن إلى الاقتراض بكثافة، لكنها تستخدم أيضًا جزءًا من سيولتها لشراء بعض السندات التي أصدرتها من قبل، غير أن التشابه بين الحقبتين يخفي اختلافًا اقتصاديًا عميقًا.
 

ماذا تفعل الوزارة؟ ولأي غرض؟

- أعلنت وزارة الخزانة، الأربعاء، مضاعفة الحد الأقصى لعمليات إعادة الشراء المخصصة لدعم السيولة في السندات الاسمية ذات الآجال من 10 إلى 20 سنة ومن 20 إلى 30 سنة، ليبلغ 4 مليارات دولار على الأقل للعملية الواحدة ارتفاعًا من ملياري دولار في السابق.
 

- يدخل القرار حيز التنفيذ في 9 سبتمبر ويستمر حتى 4 نوفمبر، ويأتي بعد يوم من وصول عائد سندات الثلاثين عامًا إلى نحو 5.34%،  وهو أعلى مستوى منذ 2007. وبعد الإعلان هبطت العوائد بشكل حاد.
 

دلالات رقمية للقرار

 

المقياس

الحجم

الدلالة

 

الحد الجديد للعملية الواحدة

4 مليارات دولار

ضعف الحد السابق

سوق السندات الأمريكية

نحو 32.2 تريليون دولار

سوق هائل

قيمة العملية الواحدة مقارنة بحجم السوق

0.012%

تأثير كمي مباشر بالغ الصغر

سوق سندات 20 و30 عامًا القائمة

نحو 5.5 تريليون دولار

القطاع الأكثر ارتباطًا بالإعلان

قيمة العملية الواحدة مقارنة بهذا القطاع

0.073%

يظل صغيرًا جدًا مقارنة بحجم الشرائح طويلة الأجل

الحد الأقصى المحتمل لمشتريات الربع بعد الزيادة

نحو 83  مليار دولار

مقابل 69 مليارًا قبل التعديل

       
- إذن لا تستطيع 4 مليارات بمفردها "إنقاذ" سوق حجمه عشرات التريليونات، لكن قوتها الأساسية تقع في جانب آخر، إذ تعد رسالة من الحكومة للمستثمرين مفادها أن هناك "مشتريًا رسميًا لديه استعداد لامتصاص كمية أكبر من الأوراق القديمة إذا تدهورت سيولتها".
 


 

ماذا يحدث خلال عملية إعادة الشراء؟

- السند الجديد الذي تصدره الخزانة حديثًا (يطلق عليه "On-the-run") يكون عادةً الأكثر تداولًا، وبعد صدور دفعات أحدث (يتحول إلى "Off-the-run") يصبح أقل سيولة، وبالتالي فإن إعادة الشراء تشكل نافذة خروج للبنوك والمتعاملين.
 

- الخزانة تعرض شراء تلك الأوراق القديمة عبر مزاد عكسي، وعندما تقبل العرض، تسترد السند قبل استحقاقه، لكن ذلك لا يعني أن إجمالي الدين ينخفض بالقيمة نفسها.
 

- في اقتصاد يعاني عجزًا، تستطيع الوزارة إصدار دين جديد ثم استخدام السيولة لشراء دين أقدم، وعمليًا هي تستبدل جزءًا من مخزون الدين بآخر أكثر ملاءمة للسوق.
 

- تظهر بيانات الوزارة أن الطلب على هذه النافذة قوي بالفعل، ففي الفترة من 19 مايو إلى 28 يوليو 2026 كانت قد اشترت كامل الحد الأقصى المتاح لعمليات قطاعي 10 إلى 20 عامًا و20 إلى 30 عامًا.
 

- هذه ليست حيلة لإخفاء الدين، إنها أشبه بتغيير أنابيب شبكة ضخمة دون تقليل كمية المياه داخلها.
 

- أو كما تقول الوزارة: "كل دولار من إعادة الشراء يحتاج، مع ثبات العوامل الأخرى، إلى دولار من الإصدارات الجديدة لتمويله، والسند الذي تشتريه الخزانة يُلغى عند التسوية". إذن العملية في برنامج دعم السيولة أقرب إلى استبدال في الآجال منها إلى تخفيض صافي الدين.
 

هل ينطوي على ذلك طباعة الأموال؟

- تصدر وزارة الخزانة الدين وتديره وتنفذ عمليات إعادة الشراء، أما الاحتياطي الفيدرالي فهو السلطة النقدية القادرة على خلق احتياطيات مصرفية عند شراء الأصول. يمتلك البنك سندات خزانة بقيمة 4.5 تريليون دولار تقريبًا.
 

- لذلك فشراء الوزارة لسنداتها ليس مساويًا لسياسة التيسير الكمي التي ينفذها الفيدرالي، ولذا فإن تشبيه "تمويل الحكومة بطباعة النقود" يصبح أقرب إلى الواقع فقط إذا أخذ البنك على عاتقه تمويل العجز بصورة مستمرة عبر توسيع ميزانيته وخلق نقود مقابلة.
 


 

- هنا يصبح تحذير "توماس سارجنت" و"نيل والاس" في ورقتهما الكلاسيكية الصادرة عام 1981 مفيدًا، حيث قالا إن "المشكلة التضخمية الأخطر تظهر عندما تصبح السياسة النقدية في النهاية مضطرة إلى استيعاب احتياجات مالية لا يمكن تمويلها بصورة مستدامة بالدين".
 

- إعلان الوزارة الصادر اليوم لا يثبت بأي حال من الأحوال أن الولايات المتحدة دخلت هذه الحالة.
 

ماذا عن طباعة النقود وتأجيج التضخم؟

- عبارة "طباعة الأموال" تجمع مقاييس مختلفة تحت اسم واحد، فبين يناير ويونيو ارتفع النقد المتداول من 2.435 تريليون إلى 2.470 تريليون دولار، أي بزيادة 35 مليار دولار.
 

- كما ارتفعت القاعدة النقدية من 5.402 تريليون إلى 5.488 تريليون دولار، أي بمقدار 86 مليارًا، أما مؤشر "M2" فارتفع من 22.420 تريليون إلى 23.155 تريليون دولار، بزيادة 735.1 مليار دولار أو 3.28%.
 

- لكن القول إن الفيدرالي "طبع 735 مليار دولار" خطأ، فمؤشر "إم 2" يشمل ودائع مصرفية وأرصدة تنشأ أيضًا داخل النظام المصرفي، والفيدرالي عدّل في إصدار يوليو منهجية عرض مكونات المؤشر مع تطبيق التغيير تاريخيًا على السلسلة.
 

ماذا عن التضخم والتلاعب بقيمة الأموال؟

- بلغ التضخم العام 3.4% والتضخم الأساسي 2.5% في يوليو، لكن لا توجد آلية مقنعة تجعل عمليات إعادة شراء السندات بقيمة عشرات مليارات الدولارات عاملًا تضخميًا مهمًا في ذاته.
 

- الخطر يأتي إذا تحولت إدارة الدين تدريجيًا إلى تسييل مالي بواسطة البنك المركزي، أو إذا استمر العجز والدين في دفع توقعات التضخم والعوائد طويلة الأجل صعودًا.
 

- لهذا لا تعتبر إعادة الشراء تلاعبًا يؤدي إلى تآكل قيمة الأموال (والديون)، خاصة أنها لا تستند إلى طباعة نقود جديدة ضخمة، وأيضًا الدولة لا تدعي تحقيق عائد استثماري وهمي ولا تخفي أن ديونًا جديدة تُستخدم باستمرار لإعادة تمويل ديون مستحقة.
 


 

- في النهاية، فإن الافتراض الرئيسي في قراءة إعلان اليوم، هو باعتباره "دعمًا تقنيًا للسيولة فقط" وأن الزيادة ستظل محدودة، لكن إذا جاء 4 نوفمبر ومعه توسيع جديد للحجم، فستصبح الإشارة أقوى من مجرد إدارة للسوق.
 

- في عام 2000 كانت وزارة الخزانة تشتري السندات لأنها تملك مالًا زائدًا، واليوم تشتريها وهي لا تزال تحتاج إلى إصدار المزيد، الأداة لم تتغير؛ ما تغير هو البيئة المالية التي تعمل داخلها.
 

المصادر: أرقام- سي إن بي سي- رويترز- بيانات وزارة الخزانة الأمريكية- بيانات الاحتياطي الفيدرالي- بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.