في أبريل 2023، وصلت شركة التجزئة الأمريكية "بيد باث آند بيوند" إلى محكمة الإفلاس طالبة الحماية بموجب الفصل الحادي عشر، واحتاجت التزامًا تمويليًا لإبقاء عملياتها قائمة خلال التصفية.


المفارقة أن الشركة التي احتاجت مئات الملايين لتبقى قائمة، سبق أن امتلكت مليارات الدولارات وأنفقتها على شراء نفسها.


فمنذ 2004 وحتى نهاية عامها المالي 2022، أعادت شراء نحو 265.1 مليون سهم بتكلفة إجمالية قاربت 11.73 مليار دولار، لكن ذلك لم يحمها أو يضمن تعظيم قيمة المساهمين.



على الجانب الآخر، أنفقت شركة تجزئة قطع غيار السيارات "أوتوزون" 38.1 مليار دولار على إعادة شراء 155.5 مليون سهم منذ 1998 وحتى مايو 2025، وبحلول أوائل يونيو من ذلك العام لم يكن لديها سوى نحو 16.7 مليون سهم قائم.


الأداة واحدة، والنتيجة مختلفة تمامًا؛ فشركة حرقت الكاش واضطرت للتصفية، والأخرى واصلت ابتلاع أسهمها لتعظيم ربحية المساهمين.


قفز سهم "أوتوزون" (AZO) من حدود 30 دولارًا للسهم إلى قرابة 4 آلاف دولار في الفترة نفسها، وقفزت ربحية السهم السنوية من 1.48 دولار إلى نحو 145 دولارًا.


لذلك عندما تحاول تقييم فرصك القادمة، لا تخطئ بالتساؤل عما إذا كانت عملية إعادة شراء الأسهم جيدة أم سيئة؟ وإنما: متى تصبح الشركة مستثمرًا بارعًا في نفسها؟ ومتى تشتري نفسها بالسعر الخطأ؟


هل تعني إعادة الشراء ارتفاع السهم دومًا؟


- من السهل فهم جاذبية إعادة الشراء؛ فإذا حققت شركة أرباحًا قدرها مليار دولار موزعة على 100 مليون سهم، ثم اشترت وأعدمت 10 ملايين سهم دون تغير الأرباح، ترتفع ربحية السهم حسابيًا.


- لكن شيئًا لم يتغير بالضرورة في النشاط نفسه؛ لم يبع المصنع منتجات إضافية، ولم ترتفع الهوامش، ولم يظهر ابتكار جديد، فقط أصبح الربح نفسه موزعًا على عدد أقل من الأسهم.


- وجدت دراسة نشرت بمجلة "جورنال أوف فايننشال إيكونوميكس" عام 1995، أن عمليات إعادة الشراء المعلنة في السوق الأمريكي بين 1980 و1990، حققت عائدًا إضافيًا للأسهم (علاوة على العائد المتوقع) بلغ 12.1% خلال أربع سنوات من إعلانها.


- كان هذا العائد الإضافي أكبر بالنسبة لأسهم القيمة حيث سجل 45.3%.


- لكن هذه النتيجة لا تثبت أن إعادة الشراء سببت كل ذلك الصعود؛ فقد تكون الإدارة اشترت ببساطة لأنها رأت أن السوق يقلل من قيمة السهم، وهنا يكمن الفارق بين أربعة أشياء تبدو متشابهة.


- هي: ارتفاع ربحية السهم، وانخفاض عدد الأسهم، وارتفاع قيمته الجوهرية (أي القيمة الاقتصادية المقدرة لحصة السهم في الشركة)، وارتفاع سعره الفعلي في السوق.


- قد يرتفع الأول دون الأخير، كما قد يرتفع السعر في السوق دون إعادة شراء أصلًا.



عندما تصبح الشركة مستثمرًا


- لنفرض أن شركة تساوي أصولها وأعمالها، بعد خصم الالتزامات، 100 مليون دولار، ولديها عشرة ملايين سهم؛ أي إن القيمة الجوهرية للسهم 10 دولارات.


- إذا اشترت مليون سهم بخمسة دولارات للسهم، تنفق 5 ملايين، فتنخفض قيمة الشركة نظريًا إلى 95 مليونًا، لكن الأسهم المتبقية تصبح تسعة ملايين فقط؛ لترتفع القيمة الجوهرية لكل منها إلى نحو 10.56 دولار.


- أما إذا دفعت 15 دولارًا، فستنفق 15 مليونًا، وتنخفض القيمة المتبقية إلى 85 مليونًا موزعة على تسعة ملايين سهم؛ أي نحو 9.44 دولار للسهم.


- إنها الصفقة نفسها، لكن الأولى نقلت القيمة إلى المساهم الذي احتفظ بالسهم، والثانية نقلتها منه إلى المساهم الذي باع.


- لهذا اعتمدت "بيركشاير هاثاواي" في عهد "وارن بافت" قاعدة مختلفة لإعادة الشراء: الشراء عندما يُقدَّر السعر بأقل من القيمة الجوهرية بصورة متحفظة، مع الحفاظ على سيولة كافية وعدم وجود التزام بإنفاق مبلغ محدد.


- في 2024، امتلكت الشركة نحو 318 مليار دولار من النقد وما يعادله وأذون الخزانة بنهاية العام المالي، ومع ذلك لم تنفق "بيركشاير" سوى 2.9 مليار دولار على إعادة شراء أسهمها.


- وجود المال لم يكن وحده سببًا كافيًا للشراء.


الرقم الكبير قد يخدعك


- هذه المسألة مهمة في سوق أنفقت فيه شركات مؤشر "إس آند بي 500" نحو 249 مليار دولار على إعادة الشراء في الربع الثالث من 2025، وتريليون دولار إجمالًا خلال العام المالي.


- المفاجأة أن 17.1% فقط من شركات المؤشر خفضت عدد الأسهم المستخدم لحساب ربحية السهم بنسبة 4% على الأقل على أساس سنوي، في حين زاد العدد لدى 160 شركة.


- لكن كيف تشتري الشركات أسهمًا بمئات المليارات ولا تختفي الأسهم بالنسبة نفسها؟


- لأن الأسهم المعاد شراؤها قد تُلغى أو يُحتفظ بها كأسهم خزينة، بينما تصدر الشركة بالتزامن أسهمًا جديدة ضمن تعويضات الموظفين وغيرها.


- لذلك قد تعيد الشركة شراء خمسة مليارات دولار من الأسهم، بينما يعوض الإصدار الجديد جزءًا معتبرًا من الأثر.


- هنا يحتاج المستثمر إلى النظر إلى ما هو أبعد من مجرد إعلان بعنوان "إعادة شراء بقيمة إكس" والبحث عن "كم ينخفض عدد الأسهم فعليًا؟ وكم تدفع الشركة لتحقيق ذلك؟".



إنفاق المليارات لا يحمي من الانهيار


- تجعل "بيد باث آند بيوند" هذا السؤال ملموسًا بصورة استثنائية، فمنذ عام 2004 وحتى نهاية عامها المالي 2022، اشترت نحو 265.1 مليون سهم مقابل 11.73 مليار دولار.


- ثم في أبريل 2023، طلبت الشركة الحماية من الإفلاس، وحصلت على التزام بتمويل قدره 240 مليون دولار لدعم العمليات خلال التصفية، قبل أن يُشطب سهمها لاحقًا من "ناسداك".


- لكن النهاية لا تثبت بالضرورة أن كل دولار أنفقته الشركة على إعادة الشراء منذ 2004 كان خطأ؛ فبعض المشتريات تعود إلى ما يقارب عقدين قبل الإفلاس.


- ما يجعل الحالة أكثر إثارة هو ما جرى في المراحل المتأخرة، ففي عامها المالي 2022 استخدمت الشركة نحو 991 مليون دولار نقدًا في عمليات التشغيل، بعدما أنفقت في العام السابق 589.4 مليون دولار على إعادة شراء الأسهم.


- هنا يظهر السؤال الحقيقي: لماذا تواصل شركة إعادة رأس المال إلى المساهمين فيما يتراجع النشاط وتزداد حاجتها إلى السيولة؟


- تقدم شركات الطيران مثالًا أكثر تعقيدًا، ففي 2019 اشترت "أمريكان إيرلاينز" 33.8 مليون سهم مقابل 1.1 مليار دولار، بمتوسط 32.09 دولار للسهم، ثم اشترت 6.4 مليون سهم أخرى في مطلع 2020.


- جاءت الجائحة، وحصلت الشركة على مساعدات حكومية خضعت معها لقيود على إعادة الشراء والتوزيعات.


- لكن وصف مشتريات 2019 بأنها خطأ واضح بسبب صدمة لم يكن من المعقول توقع حجمها سيكون حكمًا بأثر رجعي، والسؤال الأدق هنا هو "ما مقدار هامش الأمان الذي ينبغي تركه في الصناعات الدورية؟".

شيك للمساهم أم رهان عليه؟


- يبقى البديل الأبسط: لماذا لا توزع الشركة الأموال نقدًا؟ ببساطة لأنها عندما تدفع دولارًا كتوزيعات، يحصل المساهم على دولار قبل أثر الضرائب.


- أما عندما تنفقه على إعادة الشراء، فهي تتخذ قرارين في وقت واحد: إعادة رأس المال للمساهم، وتحديد ما إذا كان سهمها يستحق السعر الذي ستدفعه.



- تمنح إعادة الشراء الإدارة مرونة أكبر، وتسمح للمساهم الذي يريد النقد بالبيع، فيما يحتفظ الآخرون بحصص أكبر في الشركة.


- المفاضلة الحقيقية ليست بين "إعادة الشراء" و"التوزيعات" فقط، وإنما بين إعادة الشراء وسداد الديون والاستثمار والتوسع والاستحواذ والاحتفاظ بالسيولة وكل استخدام آخر محتمل لرأس المال.


- هنا يصبح نموذج "أوتوزون" مثيرًا، والعبرة هنا ليست بأنها أنفقت 38 مليار دولار على مدار ربع قرن، وإنما بأن المشتريات المتراكمة أحدثت انكماشًا حقيقيًا وهائلًا في قاعدة الأسهم، بينما واصلت الشركة تعظيم القيمة الحقيقية للمساهمين.


- على الطرف الآخر، تثبت "بيد باث آند بيوند" أن إنفاق المليارات على "شراء نفسك" لا يجعل الاستثمار جيدًا لمجرد أن الأصل الذي تشتريه هو أنت.


- لذلك ربما يكون من الخطأ وصف إعادة شراء الأسهم بأنها "مكافأة" للمساهمين من الأساس، إنها استثمار تنفذه الإدارة بأموال المساهمين في أسهم المساهمين أنفسهم.


- عندما تعلن شركة برنامجًا جديدًا، لا ينبغي البحث عن حجم ما ستشتريه، بل النظر إلى ثلاثة أمور أكثر أهمية: كم سهمًا سيختفي فعلًا؟ بأي سعر ستشتريه؟ وماذا كان يمكنها أن تفعل بالمال بدلًا من ذلك؟


- إن الشركة التي تعرف نشاطها أفضل من الجميع لا تعرف بالضرورة سعر سهمها أفضل من الجميع، وربما تكون أعظم مفارقات إعادة الشراء أن الإدارة قد تكون ممتازة في إدارة الشركة، لكنها مستثمر سيئ جدًا فيها.


المصادر: أرقام- سي إن إن- ياهو فايننس- التقارير المالية لشركة "أوتوزون"- الإفصاحات المالية لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية- إس آند بي جلوبال- دراسة بعنوان "Market underreaction to open market share repurchases"

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.