تتسابق إدارات الشركات المدرجة في سوق الأسهم مع نهاية كل فصل مالي لإبراز أفضل أرقام ممكنة تجذب أنظار المستثمرين وتدفع أسهمها للصعود.

 

وفي سبيل ذلك، تلجأ الكثير من الشركات إلى التركيز على مؤشرات مالية معدلة تُظهر الجزء المشرق من النشاط وتخفي الديون وتأثير الإهلاك على الأصول.

 

ويأتي في مقدمة هذه الأرقام المجمّلة مؤشر «الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك» (EBITDA) (أو مؤشر أرباح التشغيل الخام كما سنشير إليه في هذا التقرير للتبسيط)، وهو المعيار الذي صُمم أصلاً لقياس الكفاءة التشغيلية المباشرة، لكنه تحول في كثير من الأحيان إلى أداة تجميلية تُهمل النفقات الرأسمالية والديون المتراكمة التي تلتهم صافي الربح الحقيقي للمساهمين.

 

 

أهمية المؤشر

 

إن الخطورة الكبرى لهذا المؤشر تكمن في أنه يتجاهل تكاليف جوهرية لا يمكن لأي شركة استثمارية الاستمرار بدونها، مثل الفوائد البنكية والنفقات الرأسمالية؛ فعندما تركز الشركة على عرض مؤشر الأرباح قبل الفوائد إيجابيًا ومستقرًا وتتجاهل تسجيل صافي خسائر حادة في القوائم المجمعة، يقع المتداول في فخ التقييم المضلل ويميل لشراء السهم بتشجيع من النتائج البراقة.

 

وفي هذا الإطار يقول الملياردير والمستثمر الأمريكي "وارن بافيت" في رسالة لمساهمي شركة «بركشاير هاثاواي»: «هل تعتقد الإدارة حقًا أن الجنيات السحرية هي التي تدفع تكاليف النفقات الرأسمالية؟».

 

ويُعرف عن بافيت هجومه المتكرر والصريح على هذا المؤشر، حيث يتساءل دائمًا عن كيفية تجاهل الإهلاك والاستهلاك وهو تكلفة واقعية دفعتها الشركة بالفعل لشراء الآلات والمعدات، مؤكدًا أن أي تسويق مفرط لمؤشر الأرباح الخام هو محاولة صريحة للتغطية على استنزاف رأسمالي ضخم أو ديون لا تستطيع الشركة سدادها.

 

الأرباح التشغيلية تخفي الإفلاس

 

وتُجسد تجربة شركة التكنولوجيا المالية الألمانية «وايركارد» (Wirecard) في عام 2018 و2019 النموذج الأوضح لكيفية استخدام المؤشر لتضليل الأسواق وتجميل الصور المالية.

 

ففي عام 2018، تباهت إدارة الشركة بتحقيق أرباح تشغيلية أولية تجاوزت 560 مليون يورو، مع توقعات متفائلة بالوصول إلى مليار يورو، مما دفع السهم للتحليق عند أعلى مستوياته فوق 190 يورو وتجاوَزت القيمة السوقية للشركة «دويتشه بنك».

 

وانخدع آلاف المتداولين بهذه الأرقام الكبيرة لمؤشر أرباح التشغيل الخام، واعتبروا أن الشركة في طريقها لتحقيق قصة نجاح واضحة، متجاهلين كليًا فحص الفجوة بين هذه الأرباح التشغيلية المعلنة والتكامل الفعلي للتدفقات النقدية وصافي الأرباح الحقيقية التي كانت تلتهمها نفقات وهمية وديون متصاعدة.

 

 

وفي يونيو 2020، انكشفت واحدة من أكبر الفضائح المالية في أوروبا؛ حيث اعترفت الشركة باختفاء 1.9 مليار يورو (نحو 2.1 مليار دولار) من حساباتها النقدية، وتبين أن الأرباح الأولية المعلنة لم تكن سوى أرقام دفترية مجمّلة أُنشئت عبر معاملات وهمية مع أطراف خارجية.

 

وانهار سهم «وايركارد» بنسبة تجاوزت 98% في أيام معدودة، ليتراجع من 100 يورو إلى أدنى من 1.20 يورو قبل أن تعلن الشركة إفلاسها المدوّي، مخلفة خسائر بمليارات اليوروهات للمستثمرين الذين اعتمدوا على مؤشر أرباح التشغيل الخام دون التحقق من صافي الربح والسيولة الفعلية.

 

أثر الإنفاق الرأسمالي

 

وتُقدم تجربة شركة الاتصالات والبنية التحتية «أنكوم غلوبال» (Global Crossing) مثالاً كاشفًا لكيفية تحول المؤشر إلى أداة تضليل في القطاعات كثيفة الإنفاق الرأسمالي.

 

ففي أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، كانت الشركة تسجل أرقام أرباح أولية إيجابية ومبهرة بلغت مليارات الدولارات، مما دفع المستثمرين لشرائها عند تقييمات متضخمة وتجاوز قيمتها السوقية 47 مليار دولار.

 

وفي هذا التوقيت كانت الشركة تستهلك مليارات الدولارات سنوياً كإنفاق رأسمالي لمد شبكات الألياف الضوئية البحرية حول العالم، وهي نفقات ضخمة لا يظهر تأثيرها المباشر في حساب مؤشر أرباح التشغيل الخام ولكنه يظهر بوضوح في قائمة التدفقات النقدية وصافي الربح المُحمل بالفوائد والإهلاكات.

 

ومع تراكم الديون وارتفاع الفوائد البنكية لتمويل هذه الأصول، عجزت أرباح العام الوردية عن تغطية المصاريف الراسخة والالتزامات المباشرة، لتسجل الشركة صافي خسائر مجمعة حادة قادتها لإشهار الإفلاس في عام 2002 بديون تجاوزت 12 مليار دولار.

 

 

وتسبب هذا في محو ثروات المساهمين الذين اعتمدوا على مؤشر أرباح التشغيل الخام  كمقياس وحيد للربحية، دون إدراك أن الشركات كثيفة المعدات والديون لا يمكن تقييمها بعزل الإهلاك وفوائد الديون عن صافي الربح.

 

إخفاء الديون بالمؤشرات العامة

 

وتُقدم تجربة شركة الكابلات والإعلام الأمريكية "تشارتر"  (Charter Communications)  في الفترة ما بين 2001 و2004 مثالاً بارزاً لكيفية إخفاء الديون الضخمة خلف ستار الأرباح الأولية.

 

ففي تلك الفترة، كانت إدارة الشركة تباهي المستثمرين بتحقيق أرباح تشغيلية تتجاوز 1.8 مليار دولار سنوياً، وتُظهر نمواً متواصلاً يعطي الانطباع بقوة المركز المالي للشركة.

 

وانخدع المتداولون بهذه الأرقام المجمّلة، متجاهلين فحص القوائم المالية الكاملة التي كانت تكشف عن نزيف نقدي حاد؛ إذ كانت الشركة محملة بديون ضخمة بلغت نحو 18 مليار دولار لتمويل عمليات الاستحواذ وتطوير الشبكات. وكانت الفوائد البنكية السنوية على هذه الديون تلتهم كلياً أرباح التشغيل، مما أدى إلى تسجيل الشركة صافي خسائر مجمعة تجاوزت 1.2 مليار دولار في عام 2002 وحده.

 

ومع استمرار التركيز الإعلامي على مؤشر أرباح التشغيل الخام وتجاهل صافي الخسائر وأقساط الفوائد، تعرض السهم لانهيار حاد؛ إذ تراجع من مستويات مرتفعة قرب 24 دولاراً للسهم ليتراجع دون مستوى دولار واحد في عام 2003، وانخفضت القيمة السوقية للشركة بنسبة تجاوزت 95%..

 

متى يكون المؤشر مفيدًا ومتى يتحول إلى تضليل؟

 

ولتجنب الوقوع في فخ التقييمات المضللة، يعتمد المستثمرون المحترفون على قواعد محددة لتمييز الحالات التي يكون فيها المؤشر نافعًا عن الحالات التي يصبح فيها وسيلة للخداع المحاسبي.

 

مؤشر أرباح التشغيل الخام

 

متى يكون مؤشرًا مفيدًا؟

 

متى يكون وسيلة تضليل؟

 

المقارنة بين شركات القطاع الواحد: يتيح تقييم الكفاءة التشغيلية المباشرة بين شركتين تعملان في نفس المجال مع اختلاف هيكلهما الضريبي أو نسبة الاعتماد على القروض.

 

 

الشركات كثيفة الديون: إخفاء فوائد القروض الضخمة يعطي إيحاءً كاذبًا بمتانة الشركة المالية بينما تسجل صافي خسائر حادة.

تقييم عمليات الاستحواذ: يساعد المشتري على معرفة التدفق النقدي التشغيلي المبدئي الذي يمكن للشركة توليده قبل إعادة هيكلة ديونها وضرائبها.

 

 

الشركات كثيفة الإنفاق الرأسمالي: مثل شركات الاتصالات والتعدين والطيران، حيث يشكل إهلاك الآلات والمعدات تكلفة حقيقية تتطلب سيولة مستمرة لإعادة الاستبدال.

 

 

ولتجنب الوقوع في فخ تقييم الأرباح قبل خصم الضرائب والفوائد والإهلاك يمكن للمتداولين استخدام أدوات تقييم توازن بين التشغيل وصافي الربح:

نسبة الدين إلى الأرباح الأولية: تقيس عدد السنوات التي تحتاج إليها الشركة لسداد ديونها باستخدام أرباحها التشغيلية؛ وإذا تجاوزت النسبة 4 أو 5 أضعاف، فهذه إشارة خطر صريحة.

معدل تحويل الأرباح الأولية إلى نقدية: قياس النسبة المئوية التي تحولها الشركة من الأرباح الأولية إلى تدفق نقدي حر حقيقي؛ انخفاض النسبة يدل على تآكل الأرباح في الإنفاق الرأسمالي والفوائد.

هامش صافي الربح: قسمة صافي الربح النهائي على إجمالي المبيعات، وهو الرقم الصلب الذي يعكس ما يدخل خزينة الشركة بالفعل بعد خصم كافة التكاليف دون تجميل.

 

فالشاهد أن مؤشر أرباح التشغيل الخام قد يعطي فكرة مبدئية عن جودة النشاط التشغيلي، لكن النظر إلى صافي الربح النهائي والتدفقات النقدية الحرة يظل الحصن الوحيد الذي يحمي المحفظة الاستثمارية من انهيارات الشركات المثقلة بالديون والإهلاك.

 

المصادر: أرقام - بلومبرغ - وول ستريت جورنال - فاينانشال تايمز - ياهو فاينانس- فوربس

 

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.