هندسة الخداع المالي .. نيكولا التي باعت الحلم قبل الشاحنات
لم يكن هناك ما يدعو إلى الشك، كان المستقبل يبدو قريبًا، شاحنة تعمل بالطاقة النظيفة من دون انبعاثات، ومؤسس شاب يتحدث بثقة عن شركة ستعيد رسم خريطة صناعة النقل.
خلف الشاشات، كان مستثمرون أفراد يتابعون تصريحاته ويقبلون على شراء أسهم شركته الناشئة "نيكولا"، لا استنادًا إلى مصانع ضخمة أو شاحنات جاهزة للتسليم، بل رهانًا على مستقبل كانت الشركة ترسمه لهم بثقة.

نجمة في سماء وول ستريت
في عام 2015، أسس "تريفور ميلتون" - الشاب الذي لم يكمل تعليمه الجامعي - شركة "نيكولا"، مقدّمًا إياها باعتبارها منافسًا محتملًا لشركة "تسلا" في سوق الشاحنات النظيفة، كانت الفكرة جذابة، شاحنات كهربائية وهيدروجينية، وانبعاثات أقل.
وأصبحت "نيكولا "شركة مساهمة عامة في يونيو 2020 عبر الاندماج مع شركة استحواذ ذات غرض خاص، وفي غضون أسابيع، قُدّرت قيمتها السوقية بأكثر من 20 مليار دولار - رغم أنها لم تكن قد سلمت أي مركبة - وسرعان ما أعلنت عن شراكات مع شركات كبرى مثل "جنرال موتورز".
وكان "ميلتون" يعرف جيدًا كيف يخاطب العملاء والمستثمرين، وظهر بكثافة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والبودكاست، وشجع المستثمرين على متابعته للحصول على معلومات عن الشركة.
ومع ارتفاع سعر السهم، بدا أن كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح، لكن خلف الصورة اللامعة بدأت الأسئلة تتراكم.

الجاذبية هي المحرك
في سبتمبر 2020، نشرت شركة "هيندنبيرغ" للأبحاث تقريرًا شكك بشدة في مزاعم "نيكولا"، ولا سيما ما يتعلق بالشاحنة "نيكولا وان".
وأشار التقرير إلى أن شاحنة ظهرت في عرض ترويجي وهي تتحرك على طريق سريع لم تكن تعمل كما قد يظهر للجميع، وإنما دُفعت إلى أعلى منحدر ثم تُركت تتدحرج إلى أسفل بفعل الجاذبية الأرضية لا بواسطة محركها، وألمح إلى استخدام مصدر طاقة خارجي في عرض آخر.
رفضت "نيكولا" هذه الاتهامات ووصفت التقرير بأنه مضلل وصُمم لإعطاء المستثمرين انطباعًا خاطئًا عن الشركة، والتأثير سلبًا في سعر سهمها بما يحقق مكاسب مالية للبائعين على المكشوف، ومن بينهم "هيندنبيرغ" نفسها، وأوضحت "نيكولا" أنها لم تدّعِ أن الشاحنة الظاهرة في الفيديو كانت تتحرك بمحركها الخاص.

ادعاءات مضللة
لكن القضية لم تتوقف عند تفسير فيديو أو خلاف عابر، إذ خلصت التحقيقات الفيدرالية إلى أن "ميلتون" قدّم للمستثمرين ادعاءات كاذبة ومضللة بشأن جوانب عديدة من أعمال "نيكولا"، بدءًا من التكنولوجيا والمنتجات إلى قدرات الشركة الإنتاجية والطلبات المستقبلية.
ومن بين الادعاءات التي استندت إليها القضية، الترويج لقدرات "نيكولا وان" رغم عدم قابليتها للتشغيل، وتقديم شاحنة "بادجر" باعتبارها نتاجًا لتكنولوجيا الشركة، والقول إن "نيكولا" تنتج الهيدروجين بتكلفة منخفضة رغم أنها لم تكن تنتجه أصلًا، فضلًا عن تصوير حجوزات مستقبلية قابلة للإلغاء على أنها طلبات ملزمة بمليارات الدولارات.
وفي عام 2020، استقال "ميلتون" من منصبه، ثم أُدين في 2022 بتهم تتعلق بتضليل المستثمرين، وحُكم عليه في العام التالي بالسجن أربع سنوات، كما دفعت نيكولا 125 مليون دولار في 2021 لتسوية دعوى مدنية مع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية.
وقد لخص المدعي العام الأمريكي جوهر القضية بعبارة قاطعة: التظاهر بالنجاح حتى تحقيقه ليس عذرًا للاحتيال.
ولم تصمد الشركة طويلًا أمام تداعيات القضية، فبعد محاولات لتسليم بعض الشاحنات، وسلسلة من الخسائر، أعلنت "نيكولا" إفلاسها رسميًا في فبراير 2025.

في البداية، صدّق المستثمرون الحلم لأنهم أرادوا أن يكون المستقبل حقيقيًا، لكن المشكلة لم تكن في الحلم نفسه، ولا في طموح بناء شركة تغيّـر صناعة النقل، بل في تحويل الوعود إلى حقائق على الورق، والمبالغة إلى أداة لجذب المستثمرين ورفع قيمة الشركة.
فالشركات الناشئة قد تفشل، وقد تخطئ في تقدير السوق، وقد تتعثر في تطوير منتجاتها، أما حين تُستخدم الصورة المستقبلية بدلًا من المنتج، والوعود بدلًا من النتائج، فهنا لا يصبح الأمر مجرد فشل تجاري، بل يتحول إلى خداع يدفع المستثمرون ثمنه.
المصادر: أرقام – موقع وزارة العدل الأمريكية – هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية – صحيفة "نيويورك تايمز"
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}