بزنس زد .. ماذا لو كان الخبير على حق وخسرت أنت؟
في مارس 2023، ظهرت في وول ستريت فكرة بدت مثالية لعصر تتحول فيه التوصيات المالية إلى محتوى ترفيهي: صندوق استثماري لا يبحث عن أفضل الأسهم، بل يفعل تقريبًا عكس ما يقوله "جيم كرامر"، أشهر مذيعي الأسهم في الولايات المتحدة.

كان المنطق ساخرًا وبسيطًا، فإذا امتلأ الإنترنت بمقاطع لـ "كرامر" يوصي فيها بأسهم قبل انهيارها، فلماذا لا يصبح الخطأ نفسه استراتيجية استثمار؟
لكن النكتة لم تدم طويلًا. خسر صندوق "إنفرس كرامر" نحو 15% منذ إطلاقه، بعدما جمع أصولًا لا تتجاوز بضعة ملايين من الدولارات، ثم تقرر إغلاقه بعد أقل من عام.
هذا الإخفاق لم يثبت بالضرورة أن "كرامر" عبقري، بقدر ما كشف مشكلة أكثر إزعاجًا: حتى معرفة من تريد الرهان ضده لا تمنحك بالضرورة استراتيجية ناجحة.
مذيع يحرك السهم
- يصعب تقييم "كرامر" بالطريقة التي تفعلها مواقع التواصل، فجمع عشر توصيات كارثية في مقطع مدته دقيقة لا يخبرنا شيئًا تقريبًا عن سجله الكامل.
- الدراسات الأكاديمية التي تتبعت توصياته رسمت صورة أكثر تعقيدًا، حيث وجدت إحداها أن الأسهم التي يوصي بشرائها تسجل ارتفاعًا غير عادي مباشرة بعد برنامجه، قبل أن يتبخر جزء كبير من المكاسب لاحقًا.
- كان التأثير أكبر في الشركات الصغيرة والأقل سيولة، حيث تستطيع موجة مشتريات من المستثمرين الأفراد تحريك السعر بسهولة أكبر.
- هنا تظهر مشكلة غريبة، فإذا قال "كرامر": "اشترِ"، وقفز السهم صباح اليوم التالي، فهل كان توقعه صحيحًا؟ أم أن آلاف المشاهدين الذين نفذوا التوصية صنعوا بأنفسهم جزءًا من النجاح الذي نسبوه إليه؟

- دراسة أخرى لتوصياته بين 2005 و2008 وجدت أن محفظة مبنية على اختياراته خسرت 22.9% خلال الفترة، مقابل هبوط 26.8% لمؤشر "إس آند بي 500".
- ليست نتيجة مذهلة، لكنها بالتأكيد لا تشبه صورة الرجل الذي يكفي أن تفعل عكسه لتصبح ثريًا (وساخرًا في الوقت ذاته).
- بل إن صندوق "إنفرس كرامر" نفسه كان مضطرًا لاتخاذ قرارات لا يخبرك بها مجتمع أسهم الميم، مثل: هل هذا التعليق توصية أصلًا؟ متى ندخل؟ متى نخرج؟ وكم يومًا نبقى في الصفقة؟
- لكن المفارقة لا تنتهي عند فشل صندوق "SJIM"، ففي تجربة منفصلة أطلقتها منصة "أوتوبيلوت"، نجحت محفظتها التي تراهن "عكس توصيات كرامر" في تحقيق مكاسب بنحو 158% منذ 2023، مقابل 68% للسوق.
- الفارق بين التجربتين لا يثبت أن "كرامر" كان المشكلة أو الحل، بقدر ما يكشف أن عبارة "افعل عكسه" ليست استراتيجية مكتملة؛ فطريقة اختيار التوصيات، وتوقيت التنفيذ، ومدة الاحتفاظ، وحجم المراكز قد تغير النتيجة جذريًا.
كيوساكي المدين
- إذا كان "كرامر" يمثل عالم الشاشة، فإن "روبرت كيوساكي" يمثل سلطة من نوع مختلف؛ الرجل الذي باع كتابه "الأب الغني والأب الفقير" عشرات الملايين من النسخ، وأمضى سنوات يخبر متابعيه كيف يفكر الأثرياء في المال.
- لذلك بدا الرقم مثاليًا للعناوين: "كيوساكي مدين بنحو 1.2 مليار دولار". لكن هذا الرقم، رغم ضخامته، قد يكون أحد أقل الأرقام فائدة في فهم وضعه المالي.

- التحقيقات المتاحة تشير إلى أن الدين مرتبط باستثمارات عقارية وشراكات ونحو 1500 وحدة سكنية، وليس بالضرورة التزامًا شخصيًا يتحمله وحده.
- كما لا تتوافر علنًا معلومات كافية عن قيمة العقارات، أو نسب القروض إلى قيمتها، أو أسعار الفائدة، أو قدرة التدفقات النقدية على خدمة الدين.
- بالتالي لا نستطيع من الرقم وحده معرفة ما إذا كان الرجل يغرق في الديون أم يستخدم رافعة مالية مدروسة.
- لكن صورته الحديثة مرتبطة بالدعوة المتكررة إلى شراء الذهب والفضة والبيتكوين، في حين أنه بنى جانبًا مهمًا من ثروته من الكتب وحقوق الملكية الفكرية والأعمال التعليمية والعقارات الممولة بالدين.
- هذا لا يعني تناقضًا بالضرورة، فالمستثمر قد يمتلك عقارات وذهبًا وبيتكوين معًا.
- لكن هناك سؤالًا لا يصل عادة إلى المتابع: هل يستطيع شاب يشاهد مقطعًا عن شراء الفضة أن يكرر أصلًا النموذج المالي الذي استخدمه صاحب النصيحة؟
- "كيوساكي" نفسه أصاب اتجاهات مهمة، فكان متفائلًا تجاه البيتكوين قبل تجاوزها 100 ألف دولار، وراهن على صعود قوي للفضة.
- لكنه وضع أيضًا أهدافًا شديدة الطموح، مثل وصول البيتكوين إلى 500 ألف دولار والفضة إلى 500 دولار ضمن أطر زمنية لم تتحقق.
- يمكنك إذن أن تكون محقًا في الاتجاه، ومخطئًا جدًا في السعر والتوقيت، والفارق بين الاثنين قد يكون هو الفارق بين الربح والخسارة.

كم يعيش التوقع العظيم؟
- هذه المشكلة تصبح أكثر وضوحًا مع "مايكل بَري"، فمن السهل التعامل معه باعتباره الرجل الذي "توقع أزمة 2008"، لكن هذا الوصف يظلمه.
- بدأ "بري" دراسة سوق الرهن العقاري قبل الانهيار بسنوات، فقرأ تفاصيل القروض، ورصد تدهور معايير الإقراض، وانتقى سندات بعينها، ثم استخدم عقود مبادلة مخاطر الائتمان للمراهنة ضدها.
- لم تكن ضربة حظ على شاشة تلفزيون، بل عملًا تحليليًا عميقًا. المشكلة تبدأ عندما تتحول مهارة شديدة التخصص إلى سلطة عامة على كل الأسواق.
- في 31 يناير 2023، كتب "بري" كلمة واحدة "Sell"، وبعد أقل من شهرين، كتب بنفسه: "كنت مخطئًا عندما قلت بِع".
- أما كثير من القصص الأخرى عن "رهانات بري"، فهي أقل وضوحًا بكثير، فالإفصاحات قد تنشر بعد نهاية الربع بنحو 45 يومًا، ولا تكشف المحفظة كاملة، ولا أسعار الدخول والخروج، ولا التحوطات.
حين يربح الصندوق ويخسر أتباعه
- ربما تكون "كاثي وود" الحالة الأكثر إثارة؛ لأنها تلغي معظم هذه الأعذار.
- هنا لا توجد تغريدة غامضة أو إفصاح متأخر، يمكن للمستثمر ببساطة شراء صندوق "ARK Innovation" وامتلاك الاستراتيجية نفسها تقريبًا.
- مع ذلك، كشفت بيانات نشرتها "وول ستريت جورنال" في 2023 عن مفارقة مذهلة.
- كان الصندوق يحقق منذ تأسيسه عائدًا سنويًا يقارب 11% عند نقطة القياس، بينما بلغت خسارة المستثمر المتوسط المرجحة بتدفقات الأموال نحو 21% سنويًا.
- فكيف يربح الصندوق ويخسر المستثمر؟ ببساطة لأن الأموال لم تدخل بالتساوي منذ البداية، تدفقت بقوة بعد الصعود الكبير، عندما أصبحت "وود" نجمة وصندوق "أرك" قصة عالمية.
- تحمل المستثمرون اللاحقون الجزء الأكبر من الانهيار، وهنا لا يحتاج الخبير لأن يكون مخطئًا كي يخسر أتباعه، يكفي أن يصبح مشهورًا في اللحظة الخطأ.

الأكثر شهرة ليس الأفضل
- إحدى أبرز الدراسات عن المؤثرين الماليين قسمت الحسابات التي درستها إلى ثلاث مجموعات؛ 28% "ماهرة"، و16% "بلا مهارة واضحة"، و56% "مضادة للمهارة".
- كانت المفاجأة الأهم أن المجموعة الأخيرة (ارتبطت توصياتها بعوائد سالبة معدلة بالمخاطر) امتلكت متابعين أكثر وتأثيرًا أكبر على تداولات المستثمرين الأفراد.
- هذا مهم لجيل يستمد جزءًا متزايدًا من معلوماته المالية من "السوشيال ميديا".
هل النصيحة مناسبة لك؟
- تخيل شخصين يسمعان العبارة نفسها: "اشترِ البيتكوين"، الأول عمره 25 عامًا، لديه راتب ثابت ومحفظة متنوعة ولن يحتاج أمواله لعقدين، والثاني في الستين، يقترب من التقاعد ويحتاج جزءًا كبيرًا من مدخراته بعد 18 شهرًا.
- قد ترتفع البيتكوين بعد خمس سنوات، ويكون صاحب التوصية محقًا بالكامل، لكن إذا هبطت قبل أن يحتاج المستثمر الثاني أمواله، فقد تكون النصيحة الصحيحة ماليًا قرارًا كارثيًا بالنسبة إليه.
- لهذا تطلب القواعد المنظمة من المهنيين الذين يقدمون توصيات استثمارية للأفراد معرفة العمر والدخل والديون والسيولة والأهداف والأفق الزمني وتحمل المخاطر.

- هذه المعلومات لا يعرفها المذيع ولا المؤلف، ولا حتى الخوارزمية التي أوصلت الفيديو إليك. لهذا ربما يكون السؤال الخطأ في عالم النصائح المالية هو: من أصدق؟
- إذن يظل السؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي لا أعرفه عن هذه النصيحة؟ لأن أخطر ما في أسواق المال ليس دائمًا أن يكون الخبير مخطئًا، فأحيانًا يكون على حق تمامًا، وتكون أنت من يخسر المال.
المصادر: أرقام- بلومبرج- بنزينجا- كوين تليجراف- وول ستريت جورنال- رويترز- ماركت ووتش- فانيتي فير- تقارير وإفصاحات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية- معهد سي إف إيه- هيئة الأوراق المالية والاستثمار الأسترالية- بيانات صندوق أرك- منشورات كيوساكي-
دراسات: Mad Money Stock Recommendations - Finfluencer Recommendations- Trading Is Hazardous to Your Wealth
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}