في عالمٍ يبدو فيه كل شيء "مجانيًا"، هناك فاتورة تُدفع.. ولكن ليس بالمال المباشر. كل تمريرة إصبع على الشاشة، كل إعجاب، كل ثانية تقضيها في التمرير، تتحول بهدوء إلى قيمة اقتصادية تُباع وتُشترى.
المنصات التي نعتقد أننا نستخدمها بحرية، هي في الواقع أسواق رقمية ضخمة، والسلعة الأهم فيها ليست المحتوى.. بل نحن.

العمود الفقري
هذا النموذج الاقتصادي ليس صدفة، بل هو العمود الفقري لصناعة تُقدَّر بمئات المليارات.
وفي نهاية عام 2025، تسيطر شركة "ميتا" على ما يقارب 68.56% من سوق وسائل التواصل الاجتماعي عالميًا عبر "فيسبوك"، إلى جانب 7.11% عبر "إنستغرام"، فيما تستحوذ منصة "إكس" (تويتر سابقًا) على نحو 8.9%، وتبقى "لينكدإن" بحصة أقل من 1%.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الانتشار، بل تكشف عن منجم ذهب رقمي قائم على مبدأ بسيط: كلما زاد عدد المستخدمين، زادت الأرباح.
اقتصاد الانتباه: حيث تتحول العيون إلى أرباح
الفكرة الأساسية التي تقوم عليها هذه المنصات يمكن تلخيصها بجملة واحدة: "إذا لم تكن أنت من يدفع، فأنت المنتج". ما تبيعه شركات التواصل الاجتماعي ليس المحتوى بحد ذاته، بل "انتباه المستخدمين". فهي تؤجر هذا الانتباه للمعلنين، الذين يسعون للوصول إلى جمهور محدد بدقة غير مسبوقة.
هذا النموذج ليس جديدًا كليًا؛ فقد سبقته القنوات التلفزيونية التي كانت تعتمد على جذب المشاهدين لعرض الإعلانات. لكن الفارق الجوهري يكمن في مستوى الدقة. فبينما كانت الإعلانات التلفزيونية تُبث لجمهور واسع دون تمييز، تستطيع المنصات الرقمية اليوم استهداف المستخدمين بناءً على اهتماماتهم، سلوكهم، وحتى تفضيلاتهم الشخصية.
كيف تُترجم الأرقام إلى مليارات؟
تعتمد شركات مثل "ميتا" على مؤشرات أداء دقيقة لقياس أرباحها، من أبرزها "متوسط الإيراد لكل مستخدم" و"عدد المستخدمين النشطين يوميًا".
في نهاية عام 2024، بلغ متوسط الإيراد لكل مستخدم نحو 49.63 دولار سنويًا. وعند ضرب هذا الرقم في عدد المستخدمين النشطين يوميًا، والذي يصل إلى ملايين المستخدمين، تتضح الصورة: عائدات ضخمة تبرر وصول القيمة السوقية للشركة إلى أكثر من 1.5 تريليون دولار (أول مايو 2026).
لكن هذه الأرقام لا تأتي من فراغ، بل نتيجة استراتيجية طويلة الأمد ركزت على النمو أولًا، ثم تحقيق الدخل لاحقًا. فكل مستخدم جديد يعني فرصة إضافية لعرض إعلان، وكل دقيقة يقضيها المستخدم على المنصة تزيد من احتمالية تفاعله مع محتوى مدفوع.

سر النجاح: الإعلانات أولًا.. وكل شيء آخر لاحقًا
رغم تنوع الخدمات التي تقدمها هذه المنصات، من مشاركة الصور إلى البث المباشر، تبقى الإعلانات هي المصدر الرئيسي للدخل. بل يمكن القول إنها "الغاية" الأساسية، وليس مجرد وسيلة.
تستخدم "ميتا" مجموعة متنوعة من أشكال الإعلانات، منها الإعلانات الموجهة، وإعلانات الفيديو، والإعلانات داخل تطبيق "ماسنجر"، إضافة إلى الإعلانات التي تظهر أثناء تصفح الهاتف المحمول.
وتعتمد هذه الإعلانات بشكل كبير على تحليل البيانات، حيث يتم جمع معلومات عن المستخدمين لتحسين دقة الاستهداف وزيادة فاعلية الحملات الإعلانية.
لماذا استثمرت "ميتا" مليارات في الاستحواذات؟
عندما استحوذت "ميتا" على تطبيق "واتساب" مقابل 19 مليار دولار، بدا القرار للبعض مبالغًا فيه. لكن من منظور اقتصادي، كان الاستثمار منطقيًا للغاية. فالتطبيق كان يضم أكثر من 450 مليون مستخدم نشط شهريًا، وكان في طريقه للوصول إلى مليار مستخدم.
بالنسبة لإدارة الشركة، لم يكن "واتساب" مجرد تطبيق مراسلة، بل منصة جديدة يمكن تحويلها إلى مصدر دخل مستقبلي. نفس المنطق ينطبق على استحواذها على "إنستغرام" مقابل مليار دولار، والذي تحول لاحقًا إلى أحد أهم مصادر الإيرادات الإعلانية.
هل تكسب الشركات المال من محتواك الشخصي؟
رغم الاعتقاد الشائع، لا تحقق "ميتا" أرباحًا مباشرة من المحتوى الذي ينشره المستخدمون، سواء كان صورًا أو فيديوهات أو منشورات نصية. لكن هذا لا يعني أن المحتوى بلا قيمة. على العكس، هو العنصر الذي يجذب المستخدمين ويُبقيهم على المنصة، وبالتالي يخلق بيئة مثالية لعرض الإعلانات.
بمعنى آخر، المحتوى هو "الوقود"، لكن العائد المالي يأتي من "الإعلانات" التي تُعرض حوله.
تنويع مصادر الدخل: هل الإعلانات كافية؟
رغم هيمنة الإعلانات، بدأت بعض الشركات في البحث عن مصادر دخل بديلة. ففي عام 2023، أطلقت منصة "إكس" نظام اشتراك مدفوع يُعرف باسم "X Premium"، يمنح المستخدمين ميزات إضافية مثل تقليل الإعلانات، وإمكانية تعديل المنشورات، وكتابة محتوى أطول.
هذا النموذج يعكس تحولًا تدريجيًا نحو "الاشتراكات"، لكنه لا يزال في مراحله الأولى، ولم يثبت بعد قدرته على منافسة العائدات الإعلانية.
أما "ميتا"، فقد اتجهت نحو مشروع أكثر طموحًا: "الميتافيرس". هذه الرؤية تهدف إلى إنشاء عوالم افتراضية يمكن استخدامها في مجالات متعددة، من الترفيه إلى التدريب المهني. ورغم أن المشروع لم يحقق عوائد كبيرة حتى الآن، فإن الشركة تراهن عليه كمصدر دخل مستقبلي.

كم يمكن أن تكسب من المحتوى؟
بالنسبة لصناع المحتوى، توفر المنصات فرصًا لتحقيق دخل مباشر. فعلى سبيل المثال، يمكن لفيديو طويل على "فيسبوك" يحقق مليون مشاهدة أن يدر ما بين 2000 و5000 دولار، بينما تحقق المقاطع القصيرة (Reels) ما بين 1000 و3000 دولار لنفس عدد المشاهدات.
لكن هذه الأرقام تختلف حسب عوامل عدة، مثل نوع المحتوى، والجمهور المستهدف، ومعدل التفاعل.
لعبة مجانية.. بقواعد غير مرئية
في النهاية، يمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي ليست "خدمات مجانية" بالمعنى التقليدي، بل أنظمة اقتصادية معقدة تقوم على تبادل غير مباشر: المستخدم يحصل على محتوى وتجربة ترفيهية، بينما تحصل الشركات على بياناته وانتباهه، وتحوّلهما إلى أرباح.
هذا النموذج، رغم نجاحه، يثير تساؤلات متزايدة حول الخصوصية، والشفافية، وتأثير الإعلانات على سلوك المستخدمين. ومع تطور التكنولوجيا، قد نشهد تغيرات في طريقة تحقيق هذه الشركات للأرباح، لكن من غير المرجح أن يتغير المبدأ الأساسي: في اقتصاد الانتباه، كل ثانية لها ثمن.. وغالبًا ما يدفعه المستخدم دون أن يشعر.
المصدر: إنفيستوبيديا
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}