قراصنة الذكاء الاصطناعي يغيرون قواعد اللعبة

2026/05/09 أرقام
في سباقٍ خفي لا يُرى بالعين المجردة، لم تعد المعركة الرقمية بين القراصنة وخبراء الأمن مجرد لعبة قط وفأر تقليدية، بل تحولت إلى سباق تسلّح تقوده خوارزميات ذكية قادرة على اختراق الأنظمة بسرعة تفوق البشر. 
 
ما كان يتطلب فرقاً من الخبراء قد يصبح في متناول مبتدئين بضغطة زر، في عالم يُعاد تشكيله على يد الذكاء الاصطناعي—حيث لا يُطرح السؤال: هل يمكن الاختراق؟ بل: من سيصل أولاً، المهاجم أم المدافع؟
 
عادةً ما تثير شركات التكنولوجيا ضجة حول المنتجات التي تنوي إطلاقها. لكن شركة  أنثروبيك الأمريكية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي نجحت في إثارة الحماس—وقلق كبير أيضاً—حول منتج تخطط لعدم إطلاقه. 
 
 
نموذج "مايثوس"
 
في 7 أبريل، أعلنت الشركة أن نموذجاً جديداً طورته، يحمل اسم "مايثوس"، لن يُتاح لعامة المستخدمين. وبدلاً من ذلك، سيخضع للوصول المقيد ضمن مبادرة تُعرف باسم "بروجيكت غلاسوينغ " Project Glasswing، والتي تضم 12 عضواً مؤسساً من بينهم "أبل" و "غوغل" و إنفيديا".
 
المشكلة ليست في أن نموذج مايثوس يحتوي على أخطاء أو أنه غير موثوق، بل على العكس تماماً. 
 
يُقال إن كفاءته العالية قد تشكل خطراً على البنية التحتية الرقمية العالمية في حال إطلاقه. 
 
ووفقاً لشركة  أنثروبيك، فقد تفوق النموذج على "جميع البشر" باستثناء الأكثر مهارة في اكتشاف واستغلال الثغرات الأمنية، بدءاً من أنظمة التشغيل الشائعة وصولاً إلى برمجيات التشفير التي تحمي التجارة الإلكترونية والشبكات المالية. والأخطر أنه قادر على اكتشاف هذه الثغرات بأقل قدر ممكن من التدخل البشري.
 
ولم تتأخر "أوبن أيه آي"، أحد منافسي  أنثروبيك، في الرد؛ إذ أعلنت بعد أيام عن نسخة مغلقة من نموذجها الخاص المخصص للاختراق، تحت اسم "جي بي تي 5.4 سايبر"  GPT 5.4 Cyber.
 
سيناريو مرعب
 
يبدو مرعبا عالم "الاختراق بالذكاء الاصطناعي"، حيث يمكن للهواة استخدام هذه النماذج لاكتشاف ثغرات في البرمجيات—بل وحتى كتابة أدوات الاختراق اللازمة لتعطيل الأنظمة أو ابتزازها أو السيطرة عليها عن بُعد. 
 
وبعد إعلان  أنثروبيك، عقد سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، اجتماعاً مع رؤساء البنوك لمناقشة تداعيات هذا النوع من الاختراقات على أعمالهم. كما نظمت الجهات التنظيمية المالية في بريطانيا اجتماعاً مماثلاً بعد أيام.
 
ومع ذلك، يبدو أن خبراء الأمن السيبراني أكثر تفاؤلاً بحذر. يقول  بروس شناير، خبير أمن المعلومات الأمريكي: "على المدى المتوسط، أعتقد أن الأمر سيكون فوضوياً، لكن على المدى الطويل سيكون في صالح المدافعين".
 
وبما أن أنثروبيك لم تكشف سوى عن معلومات محدودة حول  مايثوس، فمن الصعب تحديد ما إذا كان يمثل قفزة ثورية أم مجرد تطور تدريجي—وهو ما أثار نقاشاً حاداً عبر الإنترنت. 
 
 
تفوق ملحوظ
 
وأظهرت اختبارات أجراها معهد أمن الذكاء الاصطناعي التابع للحكومة البريطانية أن أداء النموذج كان مماثلاً لنماذج أخرى في الاختبارات البسيطة، لكنه تفوق بشكل ملحوظ في اختبار متقدم يتطلب تنفيذ عشرات الخطوات للسيطرة على نظام مستهدف.
 
ركز باحثو  أنثروبيك بشكل خاص على قدرة  مايثوس في اكتشاف الأخطاء البرمجية التي يمكن استغلالها للهجوم على أنظمة أخرى. وكان الهدف الأساسي هو العثور على ثغرات غير مكتشفة سابقاً، والمعروفة باسم "الثغرات الصفرية" (Zero-day)، لإثبات أن النموذج يقدم اكتشافات جديدة، وليس مجرد إعادة إنتاج لمعلومات من بيانات تدريبه.
 
ويقول  جيف ويليامز، المؤسس المشارك لشركة "كونتراس سكيورتي" Contrast Security، إن هذه الثغرات موجودة في كل مكان تقريباً. ورغم ما يقال عن أن  مايثوس اكتشف "آلاف" الثغرات عالية الخطورة، فإن أنثروبيك أبقت معظمها سرياً إلى حين إصلاحها. 
 
بيد أنها كشفت عن بعض الأمثلة، منها ثغرة في نظام التشغيل  FreeBSD، وأخرى في مكتبة الوسائط  FFmpeg، وثالثة—لم تُعالج بعد—في برمجيات أساسية للحوسبة السحابية.
 
اكتشاف الثغرات 
 
اللافت أن العديد من هذه الثغرات، رغم تعقيدها، يمكن للبشر اكتشافها نظرياً. بل إن بعض النماذج الأخرى استطاعت الوصول إلى النتائج نفسها. 
 
في تدوينة نشرها ستانيسلاف فورت، مؤسس شركة "آيل"  AISLE، أوضح أنه استخدم نماذج أصغر وأقدم لاكتشاف نفس الثغرة في FreeBSD . ويرى أن سباق الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني لا يزال “غير منتظم”، دون وجود نموذج يتفوق بشكل واضح.
 
لكن الجميع يتفق على أن التطور في هذا المجال سريع للغاية. فحتى وقت قريب، كانت أدوات اكتشاف الثغرات باستخدام الذكاء الاصطناعي تعاني من نتائج خاطئة أو سطحية. 
 
بيد أن الوضع بدأ يتغير. يقول شناير "خلال الأشهر القليلة الماضية، أصبحت تقارير الثغرات التي تنتجها هذه النماذج ذات جودة أعلى بكثير".
 
ففي تحديث صدر في يناير لبرنامج "أوبن إس إس إل"  OpenSSL، تم إصلاح نحو 12 ثغرة أمنية اكتشفتها نماذج ذكاء اصطناعي. 
 
وفي مارس، أعلنت  أنثروبيك أن نسخة سابقة من نموذج كلاود تمكنت من اكتشاف نحو خُمس الثغرات الخطيرة التي تم إصلاحها في متصفح فايرفوكس Firefox خلال عام 2025.
 
 
توسيع المبادرة
 
ومع تزايد قدرة هذه النماذج على اكتشاف الثغرات، يبرز سؤال حاسم: هل سيتمكن المهاجمون من استغلالها أسرع مما يستطيع المدافعون إصلاحها؟ هنا يأتي دور بروجيكت غلاسوينغ، إذ تسعى أنثروبيك إلى توسيع المبادرة لتشمل 40 مؤسسة إضافية من قطاع البنية التحتية الرقمية، بهدف استخدام "مايثوس" لتعزيز أمان البرمجيات الأساسية للإنترنت.
 
وتأمل الشركة أن يتيح منح هذه الجهات وصولاً مبكراً للنموذج فرصة لاكتشاف أكبر عدد ممكن من الثغرات وإصلاحها قبل أن تصبح هذه القدرات متاحة على نطاق واسع.
 
ويرى معظم الباحثين أن الاختراقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تصب في نهاية المطاف في مصلحة المدافعين، عبر تمكين الشركات من فحص برمجياتها بشكل أكثر دقة قبل إطلاقها. لكن المخاوف قصيرة المدى لا تزال قائمة.
 
من ناحية، لا تُعد هذه التقنيات رخيصة؛ إذ أشارت  أنثروبيك إلى أن اكتشاف إحدى الثغرات كلّف ما يقارب 20 ألف دولار من موارد الحوسبة. وبالنسبة لمشاريع مثل نظام "لينكس"  Linux، الذي يعتمد جزئياً على متطوعين، قد يكون ذلك عبئاً كبيراً.
 
ومن ناحية أخرى، هناك كم هائل من البرمجيات المنتشرة في العالم—تشغّل أجهزة التوجيه المنزلية، والأجهزة الذكية مثل التلفزيونات والثلاجات، وحتى الآلات الصناعية—لا يقوم أحد بصيانتها بشكل منتظم. وفي مثل هذه الحالات، قد يجد القراصنة فرصة ذهبية لاستغلالها.
 
في النهاية، يبدو أن الذكاء الاصطناعي لن يغير فقط قواعد اللعبة في الأمن السيبراني، بل سيعيد رسم ملامحها بالكامل—حيث يصبح التفوق ليس للأقوى، بل للأسرع في اكتشاف الثغرة… أو سدّها.
 
المصدر: "ذي إيكونوميست"

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة