لم تعد معركة صناعة السيارات تُحسم في مصانع ديترويت أو شتوتغارت أو طوكيو، بل في شوارع شنغهاي وبكين، حيث تتحول الصين بسرعة مذهلة من "أكبر سوق سيارات في العالم" إلى العقل الذي يعيد تعريف مستقبل الصناعة بأكملها.
تجد الشركات الغربية التي كانت لعقود طويلة تُصدر التكنولوجيا والخبرة إلى الصين، نفسها اليوم في موقع المتعلّم، تحاول اللحاق بإيقاع صيني محموم يقوم على السرعة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية منخفضة التكلفة.

مركز الثقل العالمي
وفي معرض بكين الدولي للسيارات هذا العام، بدا المشهد أشبه بإعلان رسمي عن انتقال مركز الثقل العالمي شرقاً. فالمعرض، الذي اختتم فعالياته في الثالث من مايو، كان ضعف حجمه تقريباً مقارنة بدورة 2024، وضم نحو 180 طرازاً جديداً، معظمها من شركات صينية باتت تتقدم بثقة على منافسيها التقليديين. ولم يعد السؤال المطروح داخل أروقة الصناعة: "هل تتفوق الصين؟"، بل "كيف يمكن لبقية العالم أن يصبح أكثر شبهاً بالصين؟".
هذا التحول بدا واضحاً حتى في طريقة تقديم الشركات الغربية نفسها. فمديرو فولكسفاغن ومرسيدس تحدثوا خلال إطلاق سياراتهم الجديدة باللغتين الإنجليزية والماندرين بسلاسة، بينما اختارت فولكسفاغن إنهاء عرضها برقصة صينية مع موسيقى إلكترونية، في حين لجأت مرسيدس إلى موسيقى الراب الصينية.
لم يكن الأمر مجرد محاولة تسويقية لكسب الجمهور المحلي، بل رسالة أعمق تعكس إدراكاً متزايداً بأن قواعد اللعبة تغيرت.
ضغوط غير مسبوقة
تواجه شركات السيارات التقليدية ضغوطاً غير مسبوقة مع التراجع الحاد في حصتها داخل السوق الصينية، التي تعد الأهم عالمياً. فخلال خمس سنوات فقط، انخفضت حصة الشركات الأجنبية في الصين إلى نحو 30% بعد أن كانت تقترب من الضعف.
وفي الوقت ذاته، تجاوزت الصين اليابان لتصبح أكبر مصدر للسيارات في العالم، بعدما صدّرت أكثر من 8 ملايين سيارة في 2025، بزيادة تقارب الثلث مقارنة بالعام السابق.
ولم يعد النفوذ الصيني مقتصراً على الداخل. ففي أوروبا، ارتفعت حصة العلامات الصينية من سوق السيارات من مستوى شبه معدوم قبل سنوات قليلة إلى نحو 8% من إجمالي المبيعات حالياً، فيما تتوسع هذه الشركات بسرعة في أسواق مثل البرازيل والمكسيك وإندونيسيا وماليزيا، مهددة هيمنة المصنعين التقليديين.
مزيج تصعب منافسته
ويرجع هذا الصعود إلى مزيج تصعب منافسته: أسعار أقل، وتكنولوجيا أكثر تطوراً، وسرعة هائلة في الابتكار. فشركات السيارات الصينية، بالتعاون مع عمالقة التكنولوجيا المحليين، طورت أنظمة برمجية متقدمة أصبحت عنصراً رئيسياً في التنافس، خاصة في مجالات القيادة الذكية والذكاء الاصطناعي وأنظمة التحكم الصوتي.
الأهم من ذلك أن الصين غيرت مفهوم الزمن داخل صناعة السيارات. فبينما تحتاج الشركات التقليدية ما بين 40 و80 شهراً لتطوير طراز جديد، تستطيع الشركات الصينية إنجاز المهمة خلال أقل من عامين.
ويرجع ذلك إلى اعتمادها منذ البداية على السيارات الكهربائية، وإلى التكامل الكبير بين سلاسل التوريد والتصنيع والبرمجيات، فضلاً عن قدرتها على تحديث السيارات بعد طرحها عبر التحديثات البرمجية المستمرة.

إعادة هيكلة
هذا الفارق الهائل دفع الشركات الغربية إلى إعادة هيكلة إستراتيجياتها بالكامل. أوليفر بلوم، الرئيس التنفيذي لفولكسفاغن، يعترف بأن عصر تصميم السيارات في أوروبا ثم بيعها للعالم "قد انتهى".
ولهذا أنشأت الشركة مركزاً ضخماً للأبحاث والتطوير في مدينة خفي الصينية، حيث يتم تطوير السيارات بوتيرة أسرع بنحو 30% مقارنة بأوروبا، على أن تُباع بعض هذه السيارات لاحقاً في أسواق عالمية أخرى.
أما مرسيدس فقد وسعت بدورها وجودها البحثي في الصين، ويؤكد رئيسها التنفيذي أولا كالينيوس أن "السرعة الصينية" أصبحت الإيقاع الذي يحدد مستقبل الصناعة عالمياً. وحتى رينو، التي لا تبيع سيارات في الصين، لجأت إلى تطوير طراز "توينغو" الجديد هناك لتقليل التكاليف وتسريع الابتكار واكتساب الخبرة التقنية.
سد الفجوة
ولسد الفجوة في السيارات الكهربائية، اتجهت الشركات الغربية إلى التحالف المباشر مع الشركات الصينية. فولكسفاغن عقدت شراكات مع "إكس بينغ" المتخصصة في السيارات الكهربائية، ومع شركة "هورايزون روبوتيكس" للقيادة الذاتية.
وتعمل تويوتا مع هواوي وتينسنت ومومنتا وشاومي لتطوير البرمجيات والأنظمة الذكية الخاصة بسياراتها الكهربائية المستقبلية. كما أبرمت بي إم دبليو ونيسان اتفاقيات مماثلة مع شركات صينية محلية.
ولا تتوقف التكهنات عند هذا الحد. فمرسيدس تدرس استخدام بنية هندسية من شركة جيلي الصينية لتطوير سيارات كهربائية صغيرة، بينما تشير تقارير إلى محادثات بين فورد وجيلي لتبادل التكنولوجيا والتصنيع داخل أوروبا.
لكن السؤال الذي يقلق الصناعة هو: هل يكفي تقليد الصين للحاق بها؟
خبراء الصناعة يرون أن ما يُعرف بـ"السرعة الصينية" ليس مجرد نموذج عمل يمكن نسخه بسهولة، بل ثقافة متكاملة تقوم على ساعات عمل طويلة، ومرونة عالية، وصناعة بُنيت منذ البداية حول البرمجيات والسيارات الكهربائية، لا حول محركات البنزين والهندسة الميكانيكية التقليدية. ولهذا فإن تحويل الشركات القديمة إلى كيانات مرنة شبيهة بالشركات الصينية لن يكون سهلاً.
بلوم نفسه يقر بأن فولكسفاغن لن تستطيع أبداً مجاراة سرعة الشركات الناشئة الصينية إذا أرادت الحفاظ على معايير السلامة والاختبارات الصارمة التي تعتمدها. فالتسرع قد يؤدي إلى أخطاء كارثية تضرب سمعة الشركات العريقة.

راكب في المقعد الخلفي
ورغم ذلك، يرى بعض المحللين أن تبني التكنولوجيا الصينية ليس خطأ بحد ذاته، ما دامت الشركات الغربية لا تتحول إلى مجرد "راكب في المقعد الخلفي". غير أن آخرين يحذرون من أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الصينية قد يؤدي تدريجياً إلى فقدان الهوية التقنية للشركات الغربية نفسها. فعندما تعتمد تويوتا مثلاً على برمجيات من هواوي أو شاومي، يبرز سؤال جوهري: ما القيمة التقنية التي تضيفها الشركة اليابانية بنفسها؟
المخاطر تمتد أيضاً إلى المستقبل. فالشركات الصينية التي تقدم التكنولوجيا اليوم هي نفسها التي تتحول بسرعة إلى منافس عالمي مباشر.
تتوسع "إكس بينغ" بقوة في أوروبا، وشاومي تستعد لدخول أسواق جديدة العام المقبل. وبالتالي قد تجد الشركات الغربية نفسها تمول منافسيها عبر رسوم الترخيص والشراكات التقنية، من دون أن تحصل دائماً على أحدث ما لدى هذه الشركات من تقنيات.
كما أن الإفراط في الاعتماد على الشراكات قد يخلق نوعاً من التبعية يصعب التخلص منها لاحقاً، خصوصاً أن الشركات الغربية لم تثبت بعد قدرتها على التحول إلى شركات برمجيات ناجحة.
ويظهر ذلك بوضوح في معاناة قسم "كارياد" البرمجي التابع لفولكسفاغن، الذي واجه مشكلات متكررة رغم الاستثمارات الضخمة.
وفي النهاية، تبدو شركات السيارات التقليدية عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما التعاون مع الصين لتجنب التخلف في سباق السيارات الكهربائية، أو المخاطرة بفقدان الخبرة والسيطرة في المجالات التي ستحدد مستقبل الصناعة لعقود مقبلة. وبينما تتسارع الثورة الصينية، يبدو أن أكبر شركات السيارات في العالم تخوض اليوم معركة ليست فقط للحفاظ على حصتها السوقية، بل للحفاظ على هويتها نفسها.
المصدر: "ذي إيكونوميست"
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}