حين يدفع المواطن كلفة معركة لم يخترها

2026/05/19 أرقام - خاص

"لا أفكر في الوضع المالي للأمريكيين، كل ما أفكر فيه أمر واحد، لا يمكننا السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي" بهذه الكلمات الحاسمة، لخص الرئيس "دونالد ترامب" الفلسفة التي تقود سياسته الخارجية الحالية، معلنًا صراحة أن المعاناة الاقتصادية للشارع الأمريكي لن تكون كابحة لآلة الحرب ضد طهران.

 

 غير أن هذا "الصدق الاستثنائي" فتح الباب أمام عاصفة من الانتقادات، فالناخب الذي أعاد "ترامب" إلى البيت الأبيض بناءً على وعود خفض تكاليف المعيشة، يجد نفسه اليوم يواجه واقعًا مغايرًا تمامًا، مدفوعًا بمطالبات رئاسية بالصبر والتقليل من شأن الخسائر المباشرة.

 

 

فجوة عميقة

يرى كثير من الأمريكيين أن مبررات الرئيس الملياردير غير منطقية لأنه ليس هناك دليل واضح على أن إيران كانت قريبة من تطوير سلاح نووي أو أنها كانت تشكل أي تهديد مباشر لأمريكا، إضافة إلى أنهم غير واثقين من قدرة الرئيس على تحقيق هدفه الرئيسي في الصراع.

 

ورغم أن البيت الأبيض يصر على أن الاستراتيجية العسكرية لا تصاغ بناءً على "مزاج استطلاعات الرأي المتغيرة" بل وفق المصالح العليا، إلا أن الديمقراطيين وصفوا تصريحات "ترامب" بأنها تعكس "فجوة عميقة" بين أولويات القائد وهموم المواطن اليومية، خاصة مع إعلانه السابق بأنه لا يمانع ارتفاع أسعار البنزين في سبيل تحقيق أهدافه.

 

هذا التباين لا يقلق المعارضة فحسب، بل يثير ذعر الحزب الجمهوري نفسه مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، إذ يخشى قادة الحزب من رد فعل عنيف للناخبين قد يكلفهم فقدان السيطرة على مجلس النواب والشيوخ، في معركة انتخابية تبدو المخاوف الاقتصادية هي المحرك الأول لأصواتها.

 

استطلاعات الرأي.. إنذار مبكر

الاستطلاعات الأخيرة تعكس بوضوح حجم التراجع في المزاج الشعبي، فبحسب استطلاع أجرته جامعة ميشيغان في أبريل، تراجعت ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022، بينما كشف استطلاع لشبكة "سي إن إن" أن 70% من الأمريكيين غير راضين عن تعامل "ترامب" مع ملف الاقتصاد.

 

أما الاستطلاع الذي أجرته "نيويورك تايمز" بالتعاون مع جامعة "سيينا"، فأظهر أن 64% من الأمريكيين يرون أن "ترامب" ارتكب خطأً بدخول الحرب مع إيران، مقابل تأييد 30% فقط للقرار.

 

وعند سؤال المشاركين عن فرص نجاح واشنطن في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، أعرب 40% فقط عن تفاؤلهم، بينما توقع نصف المشاركين تقريبًا فشل إدارة "ترامب" في تحقيق هذا الهدف.

 

الاستطلاع نفسه سجل أيضًا أدنى مستوى لتأييد "ترامب" خلال ولايته الثانية عند 37%، فيما قال 50% من المشاركين إنهم سيصوتون للمرشح الديمقراطي إذا أُجريت الانتخابات اليوم، وهي إشارة مقلقة لحزب الرئيس قبل انتخابات التجديد النصفي، التي تُعتبر عادة اختبارًا حاسمًا لشعبية الإدارة الحاكمة.

 

 

هل أصبحت الحياة أرخص فعلًا؟

هذا السؤال ربما يلخص الأزمة كلها، فخلال حملته الانتخابية، ركز "ترامب" بصورة كبيرة على خفض أسعار الغذاء وتحسين القدرة الشرائية للأمريكيين، لكن بعد نحو عام ونصف من عودته إلى البيت الأبيض، يبدو أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس.

 

وبينما يصر "ترامب" على أن إيران ستستسلم قريبًا تحت وطأة الضغط، يظل مضيق هرمز قلب الأزمة، حيث تشير التقديرات إلى أن الحصار الأمريكي المفروض في المضيق يكلف البلاد نحو500  مليون دولار يوميًا، دون أن يلمس المواطن أي مصلحة اقتصادية تجنيها البلاد من هذه الحرب.

 

هذا النزيف انعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية، إذ سجلت أسعار المستهلكين في أبريل أعلى مستوياتها في 3 سنوات، مدفوعة بارتفاع فواتير الغذاء والكهرباء والمرافق، ورفعت شركات الطيران أسعار تذاكرها بنسبة تتجاوز 20%، وسط حالة من عدم اليقين السائدة حول مآل مفاوضات السلام المعطلة.

 

كما ساهمت التعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية على مجموعة واسعة من السلع المستوردة في زيادة تكلفة الغذاء، خصوصًا المنتجات الطازجة واللحوم، وفي ظل استمرار الغموض حول مستقبل الصراع، لا تبدو الأسواق مطمئنة إلى قرب انتهاء الضغوط التضخمية.


 

خلال الفترة بين 27 فبراير - قبل يوم واحد من اندلاع الحرب - و18 مايو، ارتفع متوسط تكلفة تعبئة خزان وقود سعة 16 جالونًا لسيارة مثل "تويوتا آر إيه في4" بنحو 24.56 دولار، أي بزيادة تتجاوز 51%.

 

مقارنة الأسعار في الولايات المتحدة مع ما قبل الحرب

البند

السعر في 27 فبراير
(دولار)

السعر في 18 مايو
(دولار)

نسبة الزيادة

البنزين للجالون

2.98

4.52

%51.5

الديزل للجالون

3.76

5.63

%49.8

وقود الطائرات للجالون

2.50

3.90

%56.0

اليوريا (السماد) للطن

465.5

586.25

%25.9

 

"أفضل من غيرنا".. أسوأ السيناريوهات لم تتحقق

في محاولة لامتصاص الغضب، تحاول الإدارة تقديم قراءة متفائلة للأزمة، إذ اعتبر وزير الخارجية "ماركو روبيو" أن الأمريكيين "محظوظون" مقارنة بدول أخرى، نظرًا لأن الدولة مصدر صاف للنفط، مما وفر لها حصانة نسبية ضد السيناريوهات الأسوأ.

 

من جانبه، لجأ "ترامب" إلى لغة المقارنة الإحصائية، مذكرًا بأن التضخم قبل الحرب كان عند مستوى 1.7%، ومتوقعًا هبوطًا حادًا في أسعار النفط فور التوصل إلى تسوية للصراع.

 

 ورغم اعترافه بوجود "ألم اقتصادي"، فإنه قلل من شأنه مؤكدًا أن "السيناريو الكارثي" – المتمثل في وصول البرميل إلى 300 دولار وانهيار البورصة بـ 25% – لم يتحقق، واعدًا الشعب بـ "عصر ذهبي" تنتعش فيه الأسهم ويهبط النفط بمجرد إعلان السلام.

 

في النهاية، تجد إدارة "ترامب" نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الصعوبة: فهي لا تستطيع التراجع عن الحرب من دون أن تبدو مهزومة، ولا مواصلة التصعيد من دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا متصاعدًا في الداخل.

 

وبالتالي ستكون انتخابات التجديد النصفي بمثابة استفتاء حقيقي سيقرر فيها الناخب الأمريكي إذا ما كان مستعدًا للاستمرار في دفع فاتورة قرارات سياسية لا يؤيدها، أم أن الضغوط المعيشية ستجبر واشنطن على إعادة رسم خريطة أولوياتها.

 

المصادر: أرقام – نيويورك تايمز – التايم – إن بي سي نيوز – يو إس إيه فاكتس – بوليتيكو – سنتر أوف أمريكان بورجرس (سي إيه بي) – شبكة "سي إن بي سي"

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة