ثمن السعادة .. كأس العالم الأغلى في التاريخ

2026/05/20 أرقام

لم يعد الشاغل الأكبر لعشاق الساحرة المستديرة، مع اقتراب انطلاق كأس العالم في الحادي عشر من يونيو المقبل، هو حظوظ المنتخبات في معانقة اللقب أو حتى الجدل الدائر حول مشاركة بعض الدول، بل بات السؤال الأهم الذي يفرض نفسه في أمريكا الشمالية: من يمتلك ثمن التذكرة؟

 

في تاريخ البطولة الأعرق، لطالما حرص الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على إبقاء أسعار التذاكر في متناول الجمهور رغم الطلب الهائل، معتمدًا في إيراداته على حقوق البث والرعاية بدلاً من جيوب المشجعين، لكن نسخة 2026 قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب، لتتحول اللعبة الشعبية الأولى في العالم إلى رفاهية ربما ليست في متناول الطبقة المتوسطة.

 

 

حين بيعت السعادة بسعر السوق

استحوذ "فيفا" على إدارة بيع التذاكر مباشرة متبنيًا سياسة "التسعير الديناميكي"، حيث تقفز الأسعار مع زيادة الطلب لتعظيم الأرباح، كما شرع الاتحاد في فتح أبوابه لسوق رسمية لإعادة البيع، يحصل من خلالها على عمولة مركبة تبلغ 15% من كل من البائع والمشتري، في صفقة تجعل تقدير الإيرادات النهائية ضرباً من المستحيل في ظل تعتيم الاتحاد على أعداد التذاكر المتاحة.

 

يبرر رئيس الفيفا "جياني إنفانتينو" – الذي يصف كرة القدم بأنها "مصدر السعادة في العالم" – ذلك مشيرًا إلى غياب القوانين المقيدة لأسعار إعادة البيع في الولايات المتحدة، خلافًا لما هو معمول به في كندا والمكسيك.

 

في أكتوبر 2025، حين طرح الفيفا دفعته الأولى من تذاكر بطولة 2026، كانت الأرقام صادمة منذ اللحظة الأولى: تذكرة واحدة في المدرجات العلوية للمباراة النهائية بـ 2790 دولارًا، لا للمقعد الأمامي، بل للجلوس في الطابق العلوي.

 

انهال المشجعون بالانتقادات، وطالبوا بتصحيح المسار، لكن ما جاء بعدها كان أقسى، إذ ارتفعت الأسعار أكثر وأكثر، حتى تجاوز متوسط الزيادة في تذاكر الفئة الأولى 200 دولار إضافية في أبريل.

 

أغلى بطولة في التاريخ.. بلا منافس

الأرقام لا تحتاج إلى تعليق: تذاكر كأس العالم 2026 تبلغ أكثر من ضعف أسعار نظيرتها في قطر 2022 حتى بعد تعديل التضخم، وأربعة أضعاف ما كانت عليه حين استضافت الولايات المتحدة البطولة آخر مرة عام 1994.

 

ووصل متوسط سعر التذكرة: 1600 دولار، أما الفئة الأولى للمباراة النهائية التي ستُقام في التاسع عشر من يوليو، فقد طُرحت هذا الشهر بمبلغ 32,970 دولارًا للتذكرة الواحدة، مقارنة بـ1600 دولار كانت أغلى تذاكر نهائي 2022.

 

حتى "دونالد ترامب"، الرئيس الملياردير، أعلن تحفظه صراحة حين سئل عن الحد الأدنى البالغ 1000 دولار لمباراة الولايات المتحدة الافتتاحية ضد باراغواي في لوس أنجلوس: لن أدفع هذا المبلغ.

 

 

التوقيت الأسوأ

لم يخدم التوقيت سياسة "التسعير الديناميكي"، فقد تزامنت البطولة مع توترات جيوسياسية وصراعات في الشرق الأوسط ألقت بظلالها على أسعار الوقود وتكلفة الطيران، بالتوازي مع وصول التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياته في ثلاث سنوات، هذا الضغط الاقتصادي أجبر الأسر على إعادة ترتيب أولوياتها.

 

يبرر  "إنفانتينو" هذه الأسعار بقوله: نحن في السوق الأكثر تطورًا في مجال الترفيه، فعلينا تطبيق أسعار السوق"، غير أن المنتقدين يردون بدليل أشد إيلامًا: في منتصف أبريل، بدأت أسعار تذاكر دور المجموعات بالانخفاض إلى 560 دولارًا من 730 دولارًا، وهو ما فسّروه بوضوح: الأسعار الأصلية كانت مبالغًا فيها ولم تجد مشترين.

 

كما أن سعر تذكرة المباراة ليس سوى بند واحد في فاتورة طويلة، لأن المشجع الذي يريد دعم منتخب بلاده في الدور الأول يحتاج أيضًا إلى طيران وفندق وتنقلات ومعيشة، والجدول التالي يكشف الفاتورة الحقيقية المقدرة.

 

كم التكلفة؟ ماذا لو أراد المشجعون من مختلف الدول السفر إلى أمريكا الشمالية لدعم فرقهم؟

الانطلاق من

تكلفة رحلات الطيران والقطارات

تذاكر المباريات

إجمالي التكلفة
(بما يشمل الإقامة الفندقية والطعام)

البرازيل-ساوباولو

2641

5970

12.646

المملكة المتحدة-لندن

2292

5265

11.197

اليابان-طوكيو

3496

4045

11.181

المغرب-كازابلانكا

2381

3174

9.590

*التكلفة مقدرة تقريبيًا بالدولار الأمريكي

 

 

ملاعب صامتة بلا روح

 يبدو أن شعار الفيفا "كرة القدم توحد العالم" بات يحمل فاتورة باهظة للغاية، فهذه الأسعار الفلكية، مضافة إليها تكاليف الطيران، والإقامة، واستخراج التأشيرات، جعلت من فكرة السفر كابوسًا اقتصاديًا، حتى الآن، لم تُبع تذاكر البطولة بالكامل، ولم تسجل فنادق المدن المضيفة إشغالاتها القصوى.

 

 وفي حين قد يراهن الفيفا على جذب طبقة الأثرياء لتعويض تراجع المبيعات، فإنه يضحي بالسمة الأهم للعبة: الشعبية، فالدراسات تؤكد أن الجماهير الأكثر ثراءً غالباً ما تكون الأقل تفاعلاً.

 

 وهو ما يهدد بتحويل الملاعب إلى مسارح صامتة، تُفقد البث التلفزيوني حيويته المعهودة، وهو فخ سقط فيه بالفعل كأس العالم للأندية مؤخراً حين اضطر المنظمون لتوجيه الحضور المتواضع نحو عدسات الكاميرات لتجميل المشهد.

 

وبالتالي فإن مونديال 2026، الذي سيقام في 16 ملعباً بسعة 1.1 مليون متفرج، ليس مجرد بطولة رياضية، بل هو اختبار حقيقي لحدود "التسعير الديناميكي"، ولمدى استعداد المشجع للتضحية بمدخراته من أجل 90 دقيقة من الشغف.

 

المصادر: أرقام – أسوشيتيد برس – الإيكونوميست – فورتشن – صحيفة "ذا أتلانتيك"  - يو إس إيه توداي نيويورك تايمز

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة