أخطاء الشركات.. الهزيمة التي لم تتوقعها ستاربكس

2026/06/05 أرقام - خاص

في معظم مدن العالم، يكفي أن تبحث قليلاً حتى تقع عيناك على الشعار الأخضر الشهير لـ"ستاربكس"، أكواب تحمل أسماء الزبائن، ومشروبات بأحجام متعددة، وتجربة موحدة تكاد تتكرر من دولة إلى أخرى، لكن في أستراليا، تبدو القصة مختلفة تمامًا.

 

ففي بلد يعشق القهوة إلى حد تنظيم مسابقات للباريستا وتقديم دورات متخصصة في إعدادها، لم تتمكن أشهر سلسلة مقاه في العالم من الفوز بقلوب المستهلكين، والمفارقة أن المشكلة لم تكن في ضعف الطلب على القهوة، بل في سوء فهم من يبيعها.

 

 

جذور أعمق من أن تقتلع

تعود جذور ثقافة المقاهي الأسترالية إلى منتصف القرن العشرين، عندما جلب المهاجرون الإيطاليون واليونانيون معهم ثقافة الإسبريسو إلى القارة، ومنذ ذلك الحين، تحول فنجان القهوة الصباحي إلى طقس يومي لملايين الأستراليين، وأصبح مشروب الـ  "فلات وايت" - وهو مزيج متقن من الإسبريسو مع الحليب الرغوي - جزءًا من الهوية المحلية.

 

لذلك تخيل أن تقدم لعازف بيانو محترف تطبيقًا للعزف على الجوال، وتتوقع أن يعجب به، هذا بالضبط ما فعلته "ستاربكس" حين طرقت أبواب أستراليا عام 2000 بأكوابها العملاقة من الفرابتشينو، ظنًا منها أنها تحمل للأستراليين شيئًا لم يذوقوه من قبل.

 

ومن هنا بدأت أولى أخطائها، فقد بالغت في تقدير نقاط تميزها، وافترضت أن الوصفة التي حققت نجاحًا في الولايات المتحدة ستنجح بالسهولة نفسها في أي مكان آخر، لكنها أغفلت حقيقة جوهرية وهي أن نجاحها في أمريكا لم يكن قائمًا على بيع القهوة فقط، بل على بيع ثقافة جديدة للقهوة وتحويل المقاهي إلى مراكز اجتماعية.

 

وبدلاً من دراسة السوق المحلية بعمق، نقلت النموذج الأمريكي كما هو تقريبًا، وعلى عكس شركات عالمية مثل "ماكدونالدز" التي اعتادت تكييف منتجاتها مع الأذواق المحلية، دخلت "ستاربكس" السوق الأسترالية وكأنها لا تحتاج إلى التعلم من أحد، وكانت المشكلة أن الأستراليين لم يكونوا ينتظرون من يعلمهم كيف يشربون القهوة.

 

 

صدام الثقافات..الفرابتشينو مقابل الإسبريسو

حاولت "ستاربكس" فرض أسلوبها الخاص، أكواب أكبر حجمًا، ومشروبات محلاة وغنية بالحليب مثل "الفرابتشينو"، في وقت كان المستهلك المحلي يفضل مشروبات الإسبريسو التقليدية الأصغر حجمًا والأعلى تركيزًا.

 

ولم تتوقف الأخطاء عند قائمة المشروبات وأسمائها غير المألوفة في المجتمع الأسترالي، فقد اختارت الشركة مواقع رئيسية ورفعت لافتات ضخمة، ثم اندفعت نحو التوسع بوتيرة سريعة، وبحلول عام 2008، وصل عدد متاجرها إلى نحو 90 موقعًا، لكنها كانت تتوسع فوق أرضية هشة من الخسائر والديون.

 

في المقابل، كانت المقاهي المحلية تمتلك ما لا تستطيع العلامات العالمية شراءه بالمال وهو الولاء، فالمستهلك الأسترالي كان يرى في تلك المقاهي تجربة شخصية وفريدة، حبوب قهوة مختارة بعناية، وتحميص دقيق، وباريستا يمتلك مهارة وشغفًا حقيقيين، أما الطابع الموحد لمتاجر "ستاربكس" فقد بدا للكثيرين بلا روح أو خصوصية.

 

ثم جاءت صدمة أخرى أكثر إيلامًا وهي فرق الأسعار، فإذا قرر المستهلك الأسترالي تجربة "ستاربكس"، كان يجد نفسه أمام أسعار أعلى من المقاهي المحلية، مقابل منتج لا يراه أفضل جودة، ولم يكن مستعدًا لدفع المزيد للحصول على ما يعتبره تجربة أقل من البدائل المتاحة حوله.

 

 

عندما انحنت "ستاربكس" أمام الذوق الأسترالي

تجاهلت "ستاربكس طبيعة المستهلك، فتجاهلها على نطاق واسع، وكانت النتيجة قاسية وسريعة، وتراكمت الخسائر، وخلال الأشهر السبعة الأولى فقط، بلغت خسائر الشركة نحو 105 ملايين دولار.

 

وفي عام 2008، اتخذت الشركة قرارًا صادمًا بإغلاق أكثر من 70% من فروعها في البلاد، وتسريح 700 موظف، لتغادر أستراليا بشكل شبه كامل بعد واحدة من أكثر تجاربها فشلًا على مستوى العالم.

 

لكن القصة لم تنته هناك، فبدلًا من الاستسلام، عادت "ستاربكس" بعد ذلك بسياسة مختلفة، فتحت متاجر جديدة بوتيرة أبطأ، وركزت بصورة أكبر على السياح والزوار، محاولة بناء وجود يتناسب مع واقع السوق الأسترالية بدلًا من فرض نموذجها السابق عليها.

 

في النهاية، تثبت تجربة "ستاربكس" في أستراليا—إلى جانب إخفاقات "وول مارت" في ألمانيا و"إيباي" في الصين—حقيقة واحدة: على الشركات متعددة الجنسيات دراسة الأسواق الجديدة بعمق، وأن تحترم ثقافتها، وتقديم ما يتفوق على البدائل المحلية، أو ببساطة إدراك أنها لا تستطيع غزو العالم بقوالب جاهزة.

 

المصادر: أرقام – جارتنر – سي إن بي سي – "إيه بي سي نيوز – بي بي سي - موقع "ساينس دايركت"

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة