في عام 1986، انضم "شون فيتزباتريك" إلى إدارة بنك صغير في قلب دبلن يضم ثمانية موظفين ولا تتجاوز قيمته خمسة ملايين يورو، لم يكن أحد يعلم يعلم حينها أنه سيكتب اسمه في تاريخ أيرلندا.
أصبح بنك "أنجلو آيرش" خلال أقل من عقدين مقرضًا رئيسيًا لمطوري العقارات، ثم تحول إلى أحد البنوك التي ساهمت في الأزمة المصرفية الأيرلندية 2008-2009، والتي تعد واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ البلاد.

لمسات سحرية
تأسس البنك عام 1986، وركز بشكل شبه حصري على الإقراض بضمان العقارات التجارية وتمويل الأصول، وعندما انضم إليه "فيتزباتريك" - الذي توفي عام 2021 عن عمر يناهز 73 عامًا - حول البنك إلى مُقرض لمطوري العقارات، وذلك بضخّ عشرات الملايين من اليورو في مشاريع في أيرلندا والمملكة المتحدة ودول أخرى.
ساهمت قروض البنك في تغذية فقاعة العقارات في أيرلندا، مما مكّنه في البداية من تحقيق أرباح قياسية ونمو سريع، وفي ذروة ازدهار الاقتصاد عام 2007، سجل أرباحًا بلغت 1.221 مليار يورو، بزيادة قدرها 44% عن العام السابق، وبلغ سعر السهم ذروته عند 17.53 يورو، مما رفع قيمته السوقية إلى 13 مليار يورو.
ليتفوق بذلك بشكل كبير على جميع البنوك الأيرلندية الأخرى، وساهم في جعل "فيتزباتريك" أحد أكثر قادة الأعمال نفوذًا وأكثرهم ثراءً في أيرلندا، وكان يتمتع بعلاقات سياسية رفيعة المستوى.
لكن عندما انفجرت فقاعة العقارات الأيرلندية وأفلس بنك "ليمان براذرز" عام 2008، فقد المستثمرون ثقتهم في "أنجلو آيرش "وبدأوا يتساءلون عن سلامة النظام المصرفي الأيرلندي برمته، لينهار سعر السهم إلى أقل من 7 يوروات.

ممارسات احتيالية
تركز التحقيق في قضية الاحتيال في البنك على مخالفات مالية مزعومة، كُشِف عنها عند تأميمه لاحقًا، وتشمل: قروضًا سرية مُنِحت لمستثمرين لشراء أسهم البنك نفسه، وتحويل ودائع مؤقتة بقيمة 7.75 مليار يورو من شركة "آيرش لايف آند بيرماننت" إلى دفاتر "أنجلو آيرش" لإظهار البنك في وضع أقوى مما هو عليه في الواقع، وقروضًا غير مُفصح عنها لكبار المسؤولين التنفيذيين.
حتى أن البنك أقرض مجموعة من رجال الأعمال المقربين 451 مليون يورو لشراء أسهمه في محاولة فاشلة لمنع انهيار سعر السهم.
وحقق مكتب مكافحة الاحتيال في أيرلندا في قروض مُنحت لمديرين سابقين في البنك، التي يحتمل أن البنك لم يُبلغ عنها بشكل كافٍ لسنوات عديدة، بالإضافة إلى محتوى التقارير والبيانات المالية للبنك لعام 2008، وقرض مُنح لأحد المديرين.
تخلى "فيتزباتريك" عن إدارة البنك في عام 2005، واستقال من منصب رئيس مجلس الإدارة في ديسمبر 2008، إلى جانب الرئيس التنفيذي "ديفيد دروم" على خلفية فضيحة تتعلق بقروض تزيد قيمتها على 80 مليون يورو.
وبعد سنوات وتحديدًا في عام 2014، تمت تبرئة "فيتزباتريك" من تهمة السماح للبنك بتقديم قروض لعملائه لشراء أسهم في البنك.
لكن حكم على "دروم" بالسجن ست سنوات بعد إدانته بتهمة التآمر للاحتيال والتزوير المحاسبي، وأدين بالتواطؤ مع مسؤولين لإيهام المساهمين بأن الودائع في عام 2008 كانت أكبر بمقدار 7.2 مليار يورو عما كانت عليه في الواقع، كما تمت إدانة مسؤولين آخرين.

تكلفة الإنقاذ
في أكتوبر 2008، اكتشفت حكومة أيرلندا أن بنك "أنجلو" كان على وشك الإفلاس، وأعلنت أنه في حال إفلاس أي بنك أيرلندي فسيتكفل دافعو الضرائب بالسداد لجميع المودعين، هذا الإجراء الخاطئ الذي كان يهدف لتعزيز الثقة وضع الدولة في موقف حرج، إذ بدأت تتكشف حقيقة حجم ديون "أنجلو" المتراكمة خلف سلسلة من الحسابات المشوهة
انهار البنك لاحقًا، وكان هذا أحد الأسباب الرئيسية التي رفعت العجز الوطني لأيرلندا ودمرت التصنيف الائتماني للبلاد وأجبرت دبلن على قبول خطة إنقاذ بقيمة 67.5 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.
قررت الدولة تأميم "أنجلو آيرش" عام 2009، وتم حله تدريجيًا وكلف انهياره دافعي الضرائب الأيرلنديين حوالي 30 مليار يورو، وأعلن إفلاس "فيتزباتريك" في يوليو 2010.
بلغت تكلفة إنقاذ النظام المصرفي المثقل بالقروض المتعثرة على دافعي الضرائب نحو 64 مليار يورو، أي ما يعادل 40% من الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد.
تظل أزمة بنك "أنجلو آيرش" دليلاً تاريخياً على أن الهندسة المالية القائمة على الخداع والتوسع الائتماني غير المنضبط قد تخلق أوهاماً من الثراء السريع، لكنها تنتهي حتماً بانهيارات هيكلية.
المصادر: أرقام – "ذا إيريش تايمز" – وول ستريت جورنال – بلومبرج - كلية الحقوق بجامعة هارفارد – فاينانشال تايمز – بلومبرج - الجارديان
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}