هندسة الخداع المالي .. الوعد بالثراء الذي بُني على الوهم

2026/06/18 أرقام - خاص

في عالم يتشوق فيه الناس إلى فرصة للثراء السريع، وجدت "روجا إغناتوفا" ضالتها، قدمت عملة مشفرة باسم "ون كوين"، ووعدت بفرصة لن تتكرر، وأن من يشتري وحدات من هذه العملة اليوم قد يصبح ثريًا غدًا، لكن خلف هذه الوعود البراقة كانت تتشكل واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي في تاريخ العملات المشفرة.
 


 

فرصة استثمارية لا تفوت

بدأت القصة عام 2014، في بلغاريا، عندما أسست سيدة الأعمال الألمانية البلغارية "إغناتوفا" بالتعاون مع شريكها "كارل سيباستيان غرينوود" شركة "ون كوين"، وكانت الوجه الإعلامي الساحر الذي أتقن صناعة الكاريزما، يُعتقد أنها استخدمت ادعاءات تتعلق بالدراسة في جامعة أكسفورد وخبرة في شركة "ماكينزي"، لتمنح نفسها لقبًا رنانًا صدقه الملايين: ملكة العملات المشفرة.
 

وبدلاً من الاستثمار في سوق الكريبتو، اتجهت الدكتورة " إغناتوفا " – كما كانت تلقب نفسها  - إلى إصدار عملة مشفرة باسم "ون كوين" زعمت أنها أكثر بساطة وأمان، قائلة: "لا تحتاج إلى أن تكون خبيرًا في الكمبيوتر لشراء العملة، ما عليك سوى إرسال المال إلى حساب مصرفي، وسيظهر في حساب شخصي على الإنترنت"، مع وعد بأنها ستتفوق قريبًا على البيتكوين وتجعل المستثمرين أثرياء.
 

ومع تزايد الإقبال، ارتفع السعر المعلن للعملة من 43 بنسًا في أوائل عام 2015 إلى نحو 10 جنيهات إسترلينية بحلول منتصف 2017، ثم جاءت الوعود الأكبر: السعر قد يصل إلى 100 جنيه إسترليني، وسيتمكن المستثمرون قريبًا من بيع عملاتهم في منصة تداول عامة وتحويلها إلى أموال حقيقية.
 


 

صناعة الوهم

لكن تلك المنصة لم تظهر أبدًا، ففي كل مرة كان يؤجل إطلاقها بحجة وجود مشكلة تقنية أو تنظيمية، ورغم أن بعض المستثمرين لاحظوا إشارات مقلقة، مثل عدم إدراج العملة في أي منصة تداول مستقلة وعدم وجود محافظ رقمية حقيقية أو إمكانية سحب الأموال بحرية، فإن حلم الثراء السريع كان أقوى من الشكوك.
 

والحقيقة كانت أكثر صدمة، لأن "ون كوين" لم تكن تملك أصلًا البنية التقنية التي تقوم عليها العملات المشفرة المشروعة، إذ لم تكن تعتمد على بلوك تشين حقيقي أو تعدين أو سجل معاملات قابل للتحقق، أما الأسعار المعلنة وقيم التداول فكانت أرقامًا يتم تحديدها داخليًا لإيهام المستثمرين بوجود نمو متواصل.
 

بحلول منتصف 2017، كان المشروع قد انتشر في 175 دولة وجذب نحو مليون مستثمر، فيما تجاوزت الأموال التي جمعها 4 مليارات دولار، لكن النهاية اقتربت سريعًا.
 

في أكتوبر 2017، كان المستثمرون ينتظرون خطابًا حاسمًا من "إغناتوفا" للإعلان عن موعد فتح منصة التداول الموعودة، إلا أنها لم تحضر الاجتماع، ثم اختفت تمامًا، ومنذ ذلك اليوم لم تظهر علنًا مرة أخرى.
 


 

الهروب والتداعيات

اتضح أن الشركة لم تبتكر أسلوبًا احتياليًا جديدًا، بل اعتمدت على أسلوب الاحتيال الهرمي التقليدي، حيث يحصل المستثمرون على أرباح من الأموال التي يقدمها المنضمون الجدد، ومع تجاوز الالتزامات للأصول بهامش متزايد باستمرار، ينهار المخطط بمجرد نفاد المستثمرين الجدد.
 

في مارس 2019، وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات غيابية لـ "إغناتوفا" بالاحتيال وغسل الأموال، ووضعها مكتب التحقيقات الفيدرالي  على قائمة أبرز المطلوبين مع رصد مكافأة تصل إلى 250 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات عنها.
 

في المقابل، ألقي القبض على عدد من المتورطين، بينما اعترف "غرينوود" وآخرون بدورهم في المخطط، أما آلاف المستثمرين الذين اعتقدوا أنهم يمتلكون ملايين الدولارات من العملات المشفرة، فاكتشفوا أنهم اشتروا وهمًا لا أكثر.
 


 

دفعت تلك العملية الاحتيالية العديد من المستثمرين إلى توخي الحذر من مشاريع العملات المشفرة عمومًا، بما فيها المشروعة منها، وشددت الحكومات قبضتها على منصات تداول سوق الكريبتو، وبدأت الهيئات التنظيمية في عدة دول مراجعات شاملة لامتثال مشاريع العملات المشفرة.
 

وسنّت دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا قوانين أكثر صرامة لمكافحة غسل الأموال وحماية المستهلك للشركات العاملة في مجال العملات المشفرة.

 

تحولت "ون كوين" إلى درس قاسٍ في عالم الاستثمار، فكلما ارتفعت الوعود بالعوائد السريعة وتراجعت الشفافية، زادت احتمالات الخداع، وفي النهاية، لم تكن القصة عن عملة رقمية ثورية كما كان يروج لها، بل عن استغلال الطمع والأمل لانتزاع مليارات الدولارات من الباحثين عن الثراء السريع.

 

المصادر: أرقام - موقع وزارة العدل الأمريكية – هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" – فاينانشال تايمز -  منصة "بينانس" – صحيفة "ذا تايمز".

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة